بقلم: نعيمة الحوسنية
في تلك الحارة التي كانت تغفو على صوت الإذاعة وتصحو على زقزقة العصافير، نشأنا معًا.. أنا وهي، حتى الأسماء كانت تتردد في طرقاتنا كصدىً لروح واحدة.
تقاسمنا الطريق إلى المدرسة في سيارة واحدة، وكأن أحلامنا كانت تُصاغ في تلك المقاعد الضيقة. كنا نجلس لنتحدث معًا لأوقات طويلة دون ملل، قضينا أيامًا وساعاتٍ لا تُنسى تحت سقف الود. ومهما كتبتُ اليوم عن ماضينا الجميل فلن أنتهي، لكنني أختصر شريط حياتنا الطويل بهذه السطور المتواضعة.
تمرّ السنين، وترحل أمي، ويرحل أخي، وتتبدل الأماكن.. كبرنا، وتعثرت بنا سبل الحياة، وانتقلنا من مكان إلى آخر، لكن المسافات لم تستطع يومًا أن تكسر ذلك الرباط الذي عُقد بالود والمحبة. ظلّت رسائلنا هي الجسر الذي نعبر به فوق ضجيج العالم لنطمئن على أننا ما زلنا بخير؛ فنعيمة كانت دائمًا هي من تسأل وتطمئن، وتارةً أكون أنا من يبحث عنها، بقلبٍ مؤمن لم يزدها الوجع إلا قربًا من الله.
كنتُ دائمًا أوهم نفسي بأنها ستكون بخير، وأنتظر اللحظة التي تنهض فيها من جديد سالمةً معافاة، لتكمل فصول الحياة كما عهدتها بهمة ونشاط، فنعيمة كانت “بطلة” في معركتها، صابرة ومحتسبة، لم يهتز يقينها يومًا، بل كانت جبلًا من الإيمان والرضا.
وفي غمضة عين، رحلت بعيدًا ليرحل معها وجهٌ من وجوه الطيبة التي قلّما يجود الزمان بمثلها. رحلت تلك التي كانت تشعرني أن الحارة لم تتغير، وأن الماضي لا يزال ينبض بالحياة ما دمنا نتذكر. صعبٌ جدًا أن تفقد شخصًا كان يمثل لك جزءًا كبيرًا من هويتك ومن ماضيك، إنسانة كانت شاهدةً على كل مراحل عمرك، وعلى فصول حياةٍ كاملة عشناها بكل تفاصيلها. رحلت “نعيمة” وأحسبها عند الله شهيدةً، وستظل دعواتي ترافقها سرًا وجهرًا، إلى أن نلتقي في الفردوس الأعلى.
الخلاصة:
رحيل الأحبة يُعلمنا أن الدنيا زائلة، لكنّ الذكريات هي “الأثر” الذي لا يموت. فالحمدلله الذي أكرمنا بجميل اللقاء وحلاوة الأخوة، والحمد لله الذي رزقنا الصبر عند الفراق. ستبقين يا نعيمة حاضرة في كل صفحة من صفحات حياتي، وسأظل أذكر تلك التفاصيل البسيطة التي صنعت سعادتنا يومًا.
اللهم إنها كانت نِعم الجارة ونِعم الأخت، فآنس وحشتها وارحم غربتها، اللهم اجعل ما أصابها كفارةً ورفعةً لدرجاتها، وعوض شبابها بجنةٍ عرضها السماوات والأرض، واجمعنا بها في الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسُن أولئك رفيقا.





