فن التوشيح (١)


د.محمد إسماعيل- الأستاذ المساعد بجامعة صحار

لقد اتخذت القصيدة العربية منذ القِدَمِ طابعًا خاصا ونظامًا مُعيَّنًا؛ حيث التزم الشعراء عددًا محددًا من الأوزان (ستةَ عشَرَ بحرًا) استنبطها الخليل بن أحمد بعد استقرائه لأشعار العرب، وقد كان هذا من خلال نظريته العروضية المحكمة، ودوائره الخمسة القائمة على فكرة التباديل والتوافيق الرياضية، مفرقا بين البحور التي استعملها العرب وتلك التي أهملوها، ولم تكدْ تُستحدَثُ بعده بحور جديدة، والتزموا كذلك بقافية واحدة حرصًا منهم على وحدة إيقاعِ النهاية وثباتِهِ الذي يزيد من غِنائية قصائدهم، وكذلك التزموا بشكلين محددين: أحدُهما يتمثَّلُ في شطرين أو مِصراعين، والآخر يتمثَّل في شطر واحد.

وفي أواخر القرن الثالث الهجريِّ – على أرجح الأقوال- ظهر في الأندلس إرهاصات للخروج على هذا النظام/ النسق؛ إنْ في البنية الوزنية وما تضمنه من أمور تتعلق بالقافية من جهة، وإنْ في البنية الشكلية بما تعنيه من عدد التفاعيل التي يتشكل منها البحر، وتوزيعها على عدد معين من الأشطر من جهة أخرى، فكانت الموشحات – على حد قول سيد غازي- أكبر ثورة قامت بها الأندلس في تاريخها الأدبيِّ، محطمة قيود الشعر العربي – أو بعضها- التي تُورثت منذ القدم، حتى غدت الموشحات مُنافِسا قويا للقصيدة في تاريخ الفنِّ الأندلسيِّ.
وفيها يقول المَقَّريُّ: وأمَّا أهل الأندلس فلمَّا كان الشعر في قُطرِهم، وتَهذَّبتْ مَناحيهِ وفنونُهُ، وبلغَ التنميقُ فيه الغايةَ استحدثَ المتأخِّرونَ منهم فنًا سَمَّوْهُ بالموشَّح.وفي نص بديع يصف ابنُ سناءِ المُلْكِ الموشحات بقوله: إنها ممَّا تركَ الأولُ للآخرِ، وسبقَ بها المُتأخِّرُ المُتقدِّمَ، وأجلبَ بها أهلُ المَغربِ على أهلِ المَشرقِ، وغادرَ بها الشعراءُ مِنْ مُتردَّمٍ، مُلحةُ الدهرِ، وبابلُ السِّحْرِ، وعنبرُ الشَّحْرِ، وعودُ الهندِ، وخَمرُ القُفْصِ، وتِبْرُ المَغربِ، ومعيارُ الأفهامِ، وميزانُ الأذهانِ، ولُبابُ الألبابِ، تُلهي وتُطرِبُ، وتُؤيسُ وتُطمِعُ، وتَخلِبُ وتجلبُ، وتُفزِعُ وتَشغَلُ، وتُؤنِسُ وتُنفِرُ، هَزْلٌ كلُّهُ جِدٌّ، وجِدٌّ كلُّهُ هَزْلٌ، ونَظْمٌ تشهدُ العينُ أنَّهُ نثرٌ، ونثرٌ يشهدُ الذوقُ أنَّه نَظْمٌ، صارَ المَغرِبُ بها مُشرِقًا لشروقِها بأُفُقِهِ، وإشراقِها فى حِجْرِهِ، وصارَ أهلُهُ بها أغنى الناسِ لظَفَرِهِمْ بالكَنْزِ الذي ذَخَرَتْهُ لهُمُ الأيَّامُ وبالمعدِنِ الذي نامَ عنه الأنامُ.

وقد عرَّف الجوهريُّ الموشحَ لغة بقوله: الوشاح: شيء يُنسجُ من أديم (جلد) عريض ويُرَصَّعُ بالجواهر، وتشدُّه المرأة بين عاتقِها وكَشحِها. وعَرَّفَه الفيروز آبادي بأنَّه: كِرْسان من لؤلؤ وجوهر منظومان، يُخالَفُ بينهما، معطوفٌ أحدُهما على الآخر.

وأضاف ابن منظور: والموشحةُ من الظِّباء والشاء والطير: التي لها طُرَّتانِ من جانبيها … والوَشحاء من المَعِزِ: السوداءُ الموشَّحة ببياض، والدِّيكُ الموشَّح إذا كان له خطتانِ كالوشاح … وثوبٌ مُوشَّح: وذلك لِوَشْيٍ فيه. هذا من جهة.

أما اصطلاحًا فقد عَرَّفَه ابن سناءِ المُلْكِ بقوله: الموشَّح كلام منظوم على وزنٍ مخصوص، وهو يتألَّف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات، ويُقال له التام، وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات، ويُقال له الأقرع، وزاد الزَّبيديُّ: أنه اسم لنوع من أنواع الشعر المُسْتحدَث.

وحديثًا عَرَّفَه الدكتور أحمد هيكل بأنه: منظومة غنائية لا تسير في موسيقاها على المنهج التقليدي المُلْتَزِم لوحدة الوزن ورتابة القافية؛ وإنما تعتمد على منهج تجديديّ متحرر نوعًا، بحيث يتغيَّرُ الوزن وتتعدد القافية، ولكنْ مع التزام التقابُل في الأجزاء المُختلفة.

وجاء في المعجم الوسيط: التوشيحُ: اسم لنوع من الشعر استحدثه الأندلسيُّون، وله أسماطٌ وأغصانٌ وأعاريضُ مختلفة، وأكثر ما ينتهي عندهم إلى سبعة أبيات.

ويوضِّح محمد أمين المُحِبِّي العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للموشح بقوله: وسُمِّيَ موشحًا لأنَّ خرجاته وأغصانه كالوشاح له.

ويرى الدكتور شوقي ضيف أنَّ الشبه بين الموشحات والوشاح ظاهر في اختلاف الوزن والقافية في الأبيات، وجميعُها في كلام واحد.

ويُرْجِعُ الدكتور جودت الركابيُّ سببَ تسمية الموشِّح بهذا الاسم إلى ما فيه من تصريع وتزيين وتناظُر وصنعة، فكأنَّهم شبَّهوه بوشاح المرأة المُرَصَّع باللؤلؤ والجَوهر.

ويُجْمِل الرافعيُّ القول عند تفسيره لهذه العلَاقة بأنَّ (الموشَّح) لفظة منقولة عن ثوبٍ مُوَشَّح، وذلك لِوَشْيٍ يكون فيه – وهو كلام ابن منظور- فكأنَّ هذه الأسماط والأغصان التي يزينونه بها هي من الكلام في سبيل الوَشْيِ من الثوب، ثم صارت اللفظة بعد ذلك علمًا.

وجميع هذه التعليلات تؤول إلى معنىً واحد هو التزيين، ذلك العامل المُشترَك الذي يتَّسمُ به الوِشَاحُ بتطريزه والمُوَشَّح بخرجته وأوزانه وقوافيه وموسيقاه الداخلية والخارجية.
وللحديث بقية إن شاء الله