نعيمة الحوسنية رائدة الأعمال في هندسة العادات وصناعة الأثرمسيرة حافلة من التطوع الفردي إلى الريادة المجتمعية

حاورها: درويش بن سالم الكيومي

إن العمل التطوعي من أفضل الأعمال الخيرية في حياة الإنسان، حيث يشهد المجتمع العماني نموًا كبيرًا في الأعمال التطوعية والخيرية التي يقوم بها الأفراد والجمعيات والفرق الأهلية والتطوعية، ويساهم في ذلك القطاعان العام والخاص والمؤسسات. ويقال إن العمل التطوعي هو القلب النابض في المجتمع، ويتفرع إلى عدة مجالات هي الاجتماعية والبيئية والصحية والإغاثية وغيرها من المجالات التي تثلج الصدر.
وفي هذا الحوار، لا نتحدث مع خبيرة خلف المكتب، وإنما مع رائدة في الميدان بدأت رحلتها من شغف التطوع البسيط، لتصبح اليوم منظومة متكاملة من الأثر. إنها نعيمة بنت جمعة الحوسنية، التي آمنت أن العطاء ليس مجرد وقت نبذله، بل هو هندسة للحياة، وتقوية للمجتمع، واستثمار في العقول. سوف نتحاور معها اليوم لنتعرف على إمكانية أن يبني الشاب العماني بصمته الخاصة.

  • من خلال جهدك المتواصل في السنوات الطويلة ومشوارك التطوعي البسيط، ما هي اللحظة التي شعرتِ فيها بأن “التطوع” ليس مجرد عمل عابر، بل هو أسلوب حياة وهدف لصناعة أثر حقيقي؟

في العمل التطوعي كانت بدايتي في عام ١٩٩١م، من حب فطري للمساعدة استمددته من “أمي وأبي”، فهما كانا القدوة والشرارة الأولى التي أضاءت لي طريق العطاء، وغرسا فيّ حب الخير للناس. لكن نقطة التحول الحقيقية كانت عندما أدركت أن العطاء الفردي جميل، لكن الأثر المستدام يحتاج إلى مؤسسية. التطوع علّمني أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في قدرته على تغيير حياة شخص آخر إلى الأفضل. هذه الروح هي التي جعلتني أستمر لأكثر من (٣٣ عامًا)، متنقلة من مجالس الأمهات إلى قيادة فرق مجتمعية، بهدف واحد: أن أترك خلفي أثرًا لا يمحوه الزمن.

  • أنتِ اليوم نراكِ تتحركين في أربعة مسارات متكاملة هي: “استدامة، تمكين، ثقافة، تحفيز”، كيف يمكن للشاب العماني اليوم أن يربط بين تطوعه وبين مستقبله المهني والشخصي؟

بالنسبة لي، التطوع هو المختبر الحقيقي لبناء الشخصية. في مسار الاستدامة المجتمعية (Naeema Volunteer)، نؤكد أن التطوع ليس هدرًا للوقت، بل هو استثمار. فعندما تطبق مبادئ الاستدامة في عملك المجتمعي، أنت تتعلم كيف تدير المشاريع وتضمن نجاحها. أما في مسار التمكين والقيادة من خلال “فريق تضامن” ومنصة “رائدات الأعمال”، فنحن نفتح الأبواب للشباب ليقودوا ويتحملوا المسؤولية. نصيحتي لكل شاب: اجعل تطوعك هو “بطاقة تعريفك (CV)” الحقيقية قبل أن تبحث عن وظيفة.

  • لقد حصلتِ على العديد من الجوائز والمراكز المتقدمة محليًا وإقليميًا، ماذا تعني كل هذه التكريمات لنعيمة الحوسنية، وما هي الجائزة التي تعتبرينها الأغلى في مسيرتك التطوعية؟

من وجهة نظري، الجوائز هي محطات تقدير تمنحنا طاقة للاستمرار. فقد سعدت بحصولي على تكريم في يوم المرأة العمانية في مجال العمل التطوعي، وسعدت أيضًا بتحقيق المركز الثاني في مبادرة “مدن” بالمملكة العربية السعودية، وحصولي على جائزة “مبادرون” في ريادة الأعمال، والمركز الثاني في جائزة “جسور” للعمل التطوعي الاحترافي، ووسام الرحمة من جمعية الرحمة للأمومة والطفولة بقيادة أم سارة التي أعتز وأفتخر بها كثيرًا.
لكن الجائزة الأغلى والأبقى هي الأثر الملموس في حياة الناس، فعندما أرى فتاة نجحت في تأسيس مشروعها عبر “رائدات المستقبل”، أو متطوعًا صُقلت شخصيته وأصبح قائدًا، أشعر حينها أنني نلت أعظم تكريم يمكن أن يحصل عليه إنسان.

  • نلاحظ اهتمامك الكبير بالتثقيف المعرفي وقراءة الكتب عبر (N-Katabi)، في زمن السرعة، لماذا تصرين على أن “القراءة” هي الأداة الأساسية لبناء العقول العمانية الشابة؟

لأن الوعي هو حائط الصد الأول للمجتمع. من خلال مسار التثقيف المعرفي، أسعى إلى نشر ثقافة القراءة كأداة لبناء العقل. فالإنسان الذي يقرأ يمتلك رؤية أوضح، وقدرة أكبر على الابتكار. في بيئتنا العمانية نحتاج إلى العقل الذي يحلل ويستنتج، والقراءة هي التي تمنحنا هذه القوة المجتمعية لنكون مساهمين حقيقيين في رفعة وطننا الغالي.

  • تتحدثين كثيرًا عن هندسة العادات الإيجابية وصناعة البيئة المحفزة، فكيف يمكن لشخص بسيط أن يغير واقعه ويبدأ “هندسة حياته” من جديد؟

التغيير يبدأ بخطوة وعادة مستمرة. في مسار صناعة البيئة المحفزة (Naeema Alhousni)، نركز على فكرة أننا نحن من نصنع بيئاتنا. إذا نجحنا في تحويل خامات البيئة البسيطة إلى أشياء جميلة ومفيدة، كما أفعل في ورش “إعادة التدوير”، فنحن قادرون أيضًا على إعادة تدوير أفكارنا وعاداتنا. النجاح ليس ضربة حظ، بل هو نتيجة لعادات يومية إيجابية تخلق بيئة عمل وحياة ملهمة لنا ولمن حولنا.

  • إلى أين تمضي نعيمة الحوسنية؟ وما هو الطموح المستقبلي الذي تسعين إليه من أجل تحقيق المشوار المجتمعي؟

طموحي لا يحده سقف، فأنا أسعى إلى تحويل مبادراتي من فرق تطوعية إلى منظومات عمل مستدامة تخدم الوطن بشكل مؤسسي واحترافي. أحلم بأن أرى نموذج “رائدات المستقبل” يتوسع ليشمل كل فتاة طموحة في عمان، وأن نصل بمفهوم المسؤولية المجتمعية إلى أن يكون ثقافة متجذرة في كل مؤسسة وفرد. هدفي الأسمى هو بناء جيل من القادة القادرين على استكمال المسيرة، ليبقى الأثر مستمرًا ومتجددًا في خدمة سلطنتنا الغالية.

  • يقال: خلف كل أثر مستدام هناك جنود مجهولون وآفاق فُتحت، فلمن تقول نعيمة الحوسنية اليوم “شكرًا” على دعم هذه الرحلة؟

النجاح ثمرة إيمان مشترك، بدأ من أسرتي وإخوتي الذين كانوا السند الثابت والمحرك الأول لعطائي. كما يمتد امتناني لكل يد امتدت بالدعم، ولكل فرد وجهة ساهمت في تطويري لأصل إلى نسختي الحالية. وفي مقدمتهم إدارات المدارس بولايتي الخابورة وطواقمها ومجالس الآباء والأمهات، فكل من آمن بقدراتي ومنحني مساحة للإبداع هو شريك حقيقي في هذا النجاح، وأنتم جميعًا بصمات لا تُنسى في مسيرة الأثر.

  • رسالة أخيرة توجهها نعيمة الحوسنية للمرأة والشباب العماني الطموح الذي يريد أن يترك بصمة في وطنه

رسالتي هي: “ثق بنفسك وابدأ بما لديك”. لقد بدأت بفكرة بسيطة كفريق تطوعي، وبالاستمرارية تطورت. المرأة العمانية أثبتت جدارتها في كل الميادين، ومن خلال “رائدات المستقبل” رأينا كيف يمكن للتمكين أن يحول الطموح إلى واقع ملموس. الأثر ليس في حجم ما تفعله، بل في استمراريته وصدقه. كونوا شركاء في البناء، واجعلوا من العمل المجتمعي جسرًا يوصلكم للتميز الشخصي والوطني.
وفي الختام، أتوجه بجزيل الشكر والتقدير إلى الأستاذ درويش الكيومي على هذا اللقاء المثري، كما أحيي مجلة حبر الوطن الإلكترونية على دورها الرائد والمميز في تسليط الضوء على النماذج المجتمعية الملهمة. دمتم ودام هذا الوطن بعطائكم.