من وحي الطوفان ( الحلقة الثانية)


د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي

ابتلاء الأنبياء والمرسلين(٢٤)
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (٢)

وانطلق النبيْ مبلغاً بما
جاء به من ربه متمَّما

فآمن البعض وقالوا إنا
على هدى المختار قد سلكنا

توجه القادة نحو العمِّ
نفوسهم مثقلة بالهمِّ

قالوا له ابن أخيك قد أتى
معارضاً لديننا وقد عتا

أصنامنا قد عابها وقاما
كذا افترى وسفّه الأحلاما

تمنعه عن ذاك والأموال
دونك خذها هذه الأقوال

فاجتمع العمُّ بخير البشَر
أخبره بما مضى من خبَر

وقال ما ترى فإنّ القوما
قد أكثروا العتاب ثم اللوما

أجابه المختار عمي إنني
لا أترك الدعوة لا لا أنثني

لو وضعوا الشمس على يميني
وفي شمالي قمر يقيني

بأن ربي مظهر للدين
والله ربي حافظي معيني

قال أبو طالب امض إنني
أحميك منهم إنني لا أنثني

تنوع الإيذاء بعد ذاكا
والمصطفى وصحبه إذ ذاكا

يحتسبون الأجر والثوابا
يواجهون السوء والأتعابا

والمشركون اتهموا بالسِّحر
نبينا قابلهم بالبِشر

واتهموه بالجنون والكذِبْ
فقال إنني للعزيز أستجبْ

انطلق النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس لعبادة الله تعالى ونبذ عبادة الأصنام، فآمن به القليل وكذبه الكثيرون، فكان هذا هو الابتلاء العظيم، والله تعالى يسرّي عنه، بتذكيره أن الأنبياء المرسلين واجهوا التكذيب والإنكار من قومهم، فصبروا حتى أتاهم نصر الله تعالى، قال سبحانه: { وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلࣱ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰۤ أَتَاهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَاۤءَكَ مِن نَّبَإِی۟ ٱلۡمُرۡسَلِینَ }[سُورَةُ الأَنۡعَامِ: ٣٤].
تجدر الإشارة إلى أن المشركين توجهوا إلى أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم طالبين منه إيقاف ابن أخيه عن دعوته التي يدّعون أن فيها تسفيها لآلهتهم، وقد عرضوا عليه في سبيل ذلك المال الكثير، وحينما ناقش أبو طالب النبي عليه السلام أجاب عمه جواب المجتهد في إبلاغ كلمة الله تعالى، الموقن من نصره سبحانه بقوله: يا عم، والله لو ضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه،ما تركته. وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى بعد ذلك، فعندها قال له عمه أبو طالب، امض لما أردت، فلن أسلمك أبدا، فكان هذا الجواب معينا للنبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، وتنوعت بعد ذلك صور الإيذاء التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم، فقد اتهموه بالسحر، واتهموه بالجنون، قال سبحانه:({ نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا یَسۡتَمِعُونَ بِهِۦۤ إِذۡ یَسۡتَمِعُونَ إِلَیۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰۤ إِذۡ یَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلࣰا مَّسۡحُورًا }[سُورَةُ الإِسۡرَاءِ: ٤٧] ، وقال سبحانه:( { وَإِن یَرَوۡا۟ ءَایَةࣰ یُعۡرِضُوا۟ وَیَقُولُوا۟ سِحۡرࣱ مُّسۡتَمِرࣱّ }[سُورَةُ القَمَرِ: ٢]، وقال تعالى:{ وَعَجِبُوۤا۟ أَن جَاۤءَهُم مُّنذِرࣱ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرࣱ كَذَّابٌ }[سُورَةُ صٓ: ٤]
واتهموه بأن القرآن يكتسبه من البشر. قال سبحانه:({ وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ یَقُولُونَ إِنَّمَا یُعَلِّمُهُۥ بَشَرࣱۗ لِّسَانُ ٱلَّذِی یُلۡحِدُونَ إِلَیۡهِ أَعۡجَمِیࣱّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِیࣱّ مُّبِینٌ }[سُورَةُ النَّحۡلِ: ١٠٣].

عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال ـ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: ( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثالثة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد، إلا ما وارى إبط بلال ) رواه الترمذي، وروى عروة بن الزبير ـ رضي الله عنه ـ قال:  سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال: بينا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ )رواه البخاري ، وعن عمرو بن ميمون ـ رضي الله عنه ـ قال: ( بينما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلى جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وضعه بين كتفيه، فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر ـ لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويرية، فطرحته عنه، فلما قضى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا، ثم قال: اللهم عليك بقريش ـ ثلاث مرات ـ، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته ) رواه البخاري ، إلى غير ذلك من الروايات التي ذكرت معاناة النبي صلى الله عليه وسلم وإيذاء المشركين ، فصبر على الأذى موقنا بتيسر الله تعالى، فقد جعل وأصحابه نصب أعينهم بشارة الله تعالى لهم حينما أمر نبيه بالصدع بدعوته:قال سبحانه:{ فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِینَ (٩٤) إِنَّا كَفَیۡنَـٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِینَ (٩٥) ٱلَّذِینَ یَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ (٩٦) }[سُورَةُ الحِجۡرِ: ٩٤-٩٦].

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر لنا ولجميع المسلمين ، اللهم تقبل صلاتنا وصيامنا وصالحات أعمالنا، وتجاوز عن سيئاتنا، واغفر لنا ولجميع المسلمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين، والطف اللهم بأهل غزة وفلسطين خاصة وبالمؤمنين عامة، وارحمنا برحمتك الواسعة. آمين يا رب العالمين.