بقلم: الدكتور محمد إسماعيل – الأستاذ المساعد بجامعة صحار
“وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يريدون به وجها”
اختتمت مقالتي السابقة بنص سيبويه الشهير: (وليس شيء يُضطرون إليه إلا وهم يريدون به وجها)، وهو جدير بأن نرجع إليه، ونقف عنده؛ وهذا لأمرين:
الأول: وهو متعلق بالمعنى اللغوي والاصطلاحي للضرورة؛ حيث إن مادة (ض.ر.ر) تدور حول معنى الحاجة واللجوء الذي لا مفر منه ولا بد، هذا ما نجده في العديد من المعاجم العربية كاللسان، يقول ابن منظور: وقد اضطر إلى الشيء أي أُلجيء إليه… الضرورة اسم لمصدر الاضطرار، تقول: حملتني الضرورة على كذا وكذا، وقد اضطر فلان إلى كذا وكذا، بناؤه (افتعل) فجُعِلَت التاء طاء؛ لأن التاء لم يحسن لفظه مع الضاد، وفي الهادي إلى لغة العرب: الضرورة: الحاجة المُلجئة، والجمع ضرورات. هذا من حيث المعنى اللغوي المعجمي، فإذا أنعمنا النظر في مذاهب اللغويين في مصطلح الضرورة ألفيناهم على مذهبين رئيسين: الأول مذهب سيبويه، وقد تناوله في ثلاثة أبواب، هي (باب ما يحتمل الشعر)، و(باب ما رَخَّمت الشعراء في غير النداء اضطرارا)، و(باب ما يجوز في الشعر من إيَّا ولا يجوز في الكلام )، وقد حذا ابن مالك حذوه، ويرى أن الضرورة خاصة بما وقع في الشعر مما ليس للشاعر عنه مندوحة. وهذا بشرطين:
أن يُضْطَرَّ إلى ذلك، ولا يجد عنه مندوحة.
أن يكون في ذلك ردُّ فرع إلى أصل، أو تشبيهُ غير جائز بجائز. وهذا المعنى الاصطلاحي لا يتعارض مع المعنى اللغوي الذي يتضمن معنى الضيق والالتجاء والحاجة اضطرارا لا اختيارا. أما المذهب الثاني، وهو مذهب ابن جني والجمهور: أن الضرورة ما وقع في الشعر، سواء كان للشاعر عنه فسحة أم لا. وهذا المذهب من وجهة نظري يتنافى مع المعنى اللغوي المشار إليه آنفا؛ فالشاعر - أي شاعر - لا يمكن أن يُحمَل على اختيار كلمة ما في قصيدة ما بأية حال من الأحوال، فهو قادر على أن يبدل الكلمات ويغير كيفما شاء في حدود الوزن والقافية، وبإمكانه أيضا أن يغير البيت كله إن أراد، كيف يعجز والشعراء على -حد تعبير الخليل –: أمراء الكلام، يُصَرِّفونه أنَّى شاءوا، ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده، ومد المقصور وقصر الممدود، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلَّت الألسن عن وصفه ونعته والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقرِّبون البعيد، ويُبعِّدون القريب، ويُحتج بهم ولا يُحتج عليهم، ويصورون الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل. أعني أن الشاعر إن أراد ألا يخالف قواعد اللغة ونواميسها فهو قادر على ذلك، وإن آثر المخالفة فإنها تكون عن وعي ورغبة واقتدار لا عن جبر وأدنى اضطرار. يبدو أن وعورة المصطلح (الضرورة) – والكلام للدكتور إبراهيم أنيس- كانت من أهم أسباب إثارة هذه الجدلية؛ فقد كان من الممكن أن يُنظَر إلى هذه التي دعوها (ضرورة) على أنها سمة من سمات اللغة الشعرية، ولكنهم ما فعلوا ذلك، فكان الوصف بـ(الضرورة) وصمة وصموا بها الشعر العربي عن حسن نية منهم. ويتفق كاتب هذه السطور تماما مع كلام الدكتور أنيس، وأقترح أن يطلق على ما سُمِّي (الضرورة) اسم (الرخصة الشعرية) أو (الجوازات الشعرية) أو (الاتساع في الشعر) أو غيرها المصطلحات المشابهة، وكلها مرتبطة بلغة الشعر الخاصة. أما الأمر الثاني فيتعلق بالوجه المراد من الضرورة أو المسوغ لها، فربما كان هذا الوجه هو علةَ الرجوع إلى الأصل، هذا يفهم من كلام سيبويه نفسه: وربما جاءت العرب بالشيء على الأصل، ومجرى بابه في الكلام على غير ذلك، ويفهم كذا من كلامه: ... قالوا حين اضطروا في الشعر فأجروه على الأصل. ومن الممكن أن يكون الوجه المراد هو علة المشابهة. يقول سيبويه: اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف، يشبهونه بما ينصرف من الأسماء؛ لأنها أسماء كما أنها أسماء. وحذف مالا يحذف، ويشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفا. وهي علة قوية. وقد لخص أبو حيان كلام سيبويه مبرزا الوجهين السابقين؛ إذ يقول: يجوز للشاعر في الشعر ما لا يجوز في الكلام عند سيبويه بشرط الاضطرار إليه، ورد فرع إلى أصل، وتشبيه غير جائز بجائز.
ومن الممكن أن نضيف وجها آخر صرح به ابن جني حين قال: ألا تراهم كيف يَدخلون تحت قبح الضرورة – مع قدرتهم على تركها-؛ ليعدوها لوقت الحاجة إليها، فمن ذلك قول أبي النجم العجلي:
قدْ أصبحتْ أمُّ الخيارِ تدَّعي عليَّ ذنبًا كلُّه لم أصنعِ
أفلا تراه كيف دخل تحت ضرورة الرفع، ولو نصب لحفظ الوزن – إذ إن التناوب بين حركات الإعراب لا يؤثر في وزن الشعر- وحمى جانب الإعراب من الضعف. يقصد ابن جني أن الشاعر ربما يقع في الضرورة وهو قادر على اجتنابها تهيئة لاستعمال هذا الوجه وإن كان ضعيفا أو قبيحا. وهذا الوجه دقيق لا يفطن إليه إلا لغوي بحس عال كابن جني. وللحديث بقية إن شاء الله.





