بقلم: خميس علي الهنداسي
هناك أشخاص لا تجمعك بهم صلة دم، لكنهم يصبحون جزءًا من روحك، كأن القدر اختارهم ليكونوا أهلك بطريقته الخاصة، هكذا كانت قصتي مع “أبو مازن” — رحمه الله وغفر له،
قبل أكثر من عشرين عامًا.
بدأت الحكاية صدفةً على طريقٍ طويل من السويق إلى شناص، كنت متجهًا إلى عملي، فركبت معه في سيارة الأجرة التي يقودها، لم يكن مجرد مشوار عابر، بل كان بداية علاقة امتدت لسنوات طويلة، دار بيننا حديثٌ طويل، كأننا نعرف بعضنا منذ زمن، ومنذ ذلك اليوم لم ينقطع التواصل.
تحولت تلك الصدفة إلى علاقة أعمق من مجرد معرفة، علاقة أخٍ كبير بأخيه الصغير، بل أبٍ بابنه، كان يزورني، وأزوره، ونتبادل الزيارات وكأنها عادة لا تنقطع، حتى والدي لم يكن بعيدًا عن اهتمامه، فقد زاره حين علم بمرضه، وهذا وحده كفيل بأن يكشف معدن الرجل.
كنا نلتقي كثيرًا، في مجلسه، أو عند المسجد بعد الصلاة، أو حتى على الطريق، جلساتنا كانت ممتلئة بالحديث عن الحياة، عن الناس، عن الذكريات، وعن كل شيء بسيط لكنه يصبح عظيمًا حين يُشارك مع شخصٍ صادق.
كبر ابنه “مازن”، وكبر معه شعوري بأنه أخٌ صغير لي، كم جلس معنا، وكم شاركنا اللحظات، حتى أصبح جزءًا من تلك الحكاية التي لا تُنسى.

كان لأبي مازن أمنية بسيطة، أن نجتمع في رحلة مع رفاقه المتقاعدين، لكنه، وللأسف، حلم لم يتحقق، فقد حالت الظروف وضيق الوقت دون ذلك، وما أقسى أن تبقى بعض الأمنيات معلّقة في القلب بعد الرحيل.
أما صلاتي العصر والمغرب، فكانت موعدًا شبه دائم يجمعنا في المسجد القريب من الطريق العام، كنت أراه قادمًا، فألتقط له صورة وأرسلها له ممازحًا، فيرد بابتسامته المعهودة، وحتى في غيابي، لم تنقطع تلك الروح، كنت إذا تأخرت أو لم أستطع زيارته، أعتذر له قائلًا مازحًا، “تجاوزت حدود دولتك” وأقصد بها قريته، فيرد ضاحكًا، “لا يمكنك العبور بدون تصريح”، ثم يختمها بدعاءٍ صادق بأن أصل سالمًا.
“تلك التفاصيل الصغيرة، هي اليوم أكبر ما يؤلم”
قبل رحيله بأسبوع، زرته في رمضان، وحين علم أنني سأغادر إلى الإمارات، أصر أن أفطرً معه، لم يكن لقاءً عاديًا، كان أشبه بوداعٍ لم نكن نعلم أنه الأخير، جلسنا، تحدثنا، وضحكنا، ثم ودعته، دون أن أدرك أن تلك اللحظة ستبقى محفورة في قلبي إلى الأبد.
في مساء السابع والعشرين من رمضان لعام ١٤٤٧هـ، جاءني الخبر الذي لم أكن مستعدًا له، خبر وفاته، صدمة ثقيلة، أكبر من أن تُحتمل، لم أصدق، حتى تأكدت، قيل لي إنه كان يؤدي واجب العزاء عصر ذلك اليوم، ثم سقط بينهم، وفاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، وكأن الله اختار له خاتمة تليق به.
مر شريط الذكريات أمام عيني وأنا أراه يُوارى الثرى، والدموع لا تتوقف، ودعته بما يليق به من وداع، ودعوت له بما يليق به من دعاء، ولساني يردد:
“إنا لله وإنا إليه راجعون”
رحمك الله يا أبا مازن، كنت أكثر من صديق، وأكثر من أخ، كنت أثرًا جميلًا سيبقى في القلب ما حييت.






