عندما تتحول كرة القدم إلى مشروع استنزاف للجماهير

قراءة تحليلية: خميس علي الهنداسي

في كل نسخة جديدة من كأس العالم، يتكرر المشهد ذاته؛ جماهير تبيع وقتها ومالها وراحتها من أجل رحلة طويلة مرهقة خلف منتخباتها، رغم أن الواقع لم يعد يشبه تلك الصورة الرومانسية القديمة التي يتحدث عنها البعض.
فاليوم، لم تعد متابعة المونديال مجرد حجز تذكرة ودخول ملعب، بل أصبحت سلسلة طويلة من التعقيدات والاستنزاف المالي والنفسي، خصوصًا عندما تُقام البطولة في دول مترامية الأطراف مثل الولايات المتحدة أو المكسيك وحتى كندا!
التذاكر بأسعار مبالغ فيها، والفنادق ترفع أسعارها بشكل جنوني، والتنقل بين المدن قد يتحول إلى رحلة طيران أخرى داخل البطولة نفسها.
قد تجد المشجع يسافر ساعات طويلة فقط ليحضر مباراة متواضعة المستوى، تنتهي بلا متعة حقيقية ولا إثارة تستحق كل ذلك العناء. ثم يعود منهكًا ليكرر المشهد مرة أخرى في مدينة أبعد وأكثر تكلفة.

أما الإجراءات، فحدّث ولا حرج، تأشيرات، تفتيش، طوابير، قوانين صارمة، وتنقلات مرهقة تجعل المشجع يشعر أحيانًا أنه داخل معاملة حكومية لا مهرجانًا كرويًا عالميًا.
والمفارقة أن كل هذا يحدث تحت شعار “الاستمتاع بكرة القدم”.

الحقيقة التي لا يحب البعض الاعتراف بها، أن كرة القدم الحديثة لم تعد تُدار بعقلية المتعة الجماهيرية كما كانت، بل أصبحت مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا تُستهلك فيه الجماهير قبل أي شيء آخر.

المشجع البسيط الذي كان يستطيع سابقًا حضور بطولة كبرى بميزانية معقولة، أصبح اليوم بحاجة إلى ميزانية سياحية كاملة فقط ليعيش بضعة أيام حول ملاعب متباعدة ومباريات لا ترقى دائمًا إلى حجم الضجيج الإعلامي المصاحب لها.
ولعل السؤال المنطقي هنا:
هل تستحق التجربة فعلًا كل هذا الإنهاك؟
فالكثير من المباريات في البطولات الكبرى أصبحت حذرة ومغلقة ومليئة بالحسابات التكتيكية، حتى فقدت تلك الروح الجنونية التي كانت تجعل الناس تسافر خلف الكرة بشغف حقيقي.

لم تعد كل مباراة تحمل ذلك السحر القديم، ولا كل بطولة تصنع الذكريات نفسها.
ومع ذلك، يستمر البعض في مطاردة التجربة مهما ارتفعت التكاليف وتعقدت الرحلة، وكأن الحدث بحد ذاته أهم من جودة ما يُقدَّم داخل المستطيل الأخضر.
وربما هنا تكمن المفارقة الأكبر؛ أن الجماهير أصبحت أحيانًا تسافر من أجل “فكرة البطولة” أكثر من البطولة نفسها.