بقلم: رزان عبدالرحمن الرشيد – المملكة العربية السعودية
لنزعم أن الجهل هو عدو الإنسان الأول، ثم نعود لأدراجنا ونبصر أن العدو معروف وقديم.. يتربّص لخطواتنا، ويهمس لنا؛ فهو ليس وحشًا يقتحم داخلنا، بل هو الفراغ الذي يسكننا، يملأ ما تُرِك بداخلنا خاليًا، ويتسع كلما أغلقنا أبوابنا على أنفسنا. وإن كان لإبليس بابٌ يدخل منه، فالجهل هو ذلك الباب الذي يُترَك مواربًا.
في زمنٍ انفتحت فيه أبواب المعرفة على مصراعيها، وصار العلم للإنسان أقرب من ظلّه، لا يزال البعض يقف اليوم في ذات الدائرة الضيقة؛ فلا يتمسك بفكرته لأنها «حق»، بل لأنها مألوفة، ولا يرفض الآخر لأنه «مختلف»، بل لأنه غير معروف. وأي مألوفٍ ومعروفٍ، حين يُقدَّسان، يصبحان للمرء قضبانًا لا جذورًا. بطبعه، الإنسان خُلق ليتّسع، ليُحسن، ليصل؛ لا لينغلق، ولا ليقسو، ولا ليقطع.
فالإنسانية المشتركة في جوهرها لا تسكن في المبادئ الكبرى وحدها، بل في التفاصيل الصغيرة التي يجهلها أغلبنا. فهي تسكن في علاقة المرء مع نفسه، حين يجهل أن يرحمها ويكلّفها ما لا تطيق، وتسكن في علاقته مع من يحب، حين يجهل أن الآخر لا يُعاش بالتوقعات، إنما بالفهم، وتسكن في علاقته مع مجتمعه، حين يجهل أن كل إنسانٍ من حوله يحمل بداخله ثقلًا لا يُرى. فالجهل يوهمنا بأن ما نحمله استثناء، وأن ما يحمله الآخر غريب؛ فتضيق الدوائر، لا لأن ثمة خلافًا حقيقيًا يستحق الجفاء، بل لأن ثمة جدارًا لم يُهدم، لا لسببٍ سوى أن أحدًا لم يمدّ يده ليلمسه.
الجهل هو القاطع الأول لهذه الخيوط، واحدًا تلو الآخر، في الداخل قبل الخارج، ومن جهل نفسه أساء فهم كل ما حوله. فجوهر الطريق ليس في كثرة ما نعرف، بل في صدق ما نعيه، وحين يحدث هذا التحوّل، لن ترى نفسك مركزًا والآخرين هامشًا في حياتك، بل ستراها جزءًا من نسيجٍ واسع، يُضعَف حين يُقطع، ويزدهر حين يتواصل. فالإنسان لا يكتمل وحده، وما الجهل إلا الوهم الذي يُقنعه بأنه يستطيع.





