من وحي الطوفان( الحلقة الثانية)


بقلم: د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي

ابتلاء الأنبياء والمرسلين(٢٣)
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (١)

وبــعــدهــم نــبــيـنـا الـعـدنـانـي
صــلـى عـلـيـه الله فـــي الـقـرآن
جــــــــاء يــتــيــمـاً ربــــنـــا آواه
وبـالـتـقـى والــخـيـر قـــد ربـــاه
واسـتـقبل الـجـدُّ الـحـفيدَ بـالهنا
أخــــذه مـسـتـبشراً مـــع الـسـنـا
وقـــــال هــــذا نــورنــا مــحـمـدُ
وفـي الأعـالي كـم رجـوت يُحمد
وقــام فــي الـحال عـلى رعـايتهْ
وأمــــه واهــتــم فــــي عـنـايـتهْ
تـــوفــيــت أم الــنــبــيّ آمـــنـــة
والـجد أيـضا والـنبيْ في الثامنة
فـقام عـم الـمصطفى فـي الحال
بـابــن أخــيـه خِــيْـرةِ الأشــبـال
واكـتـسب الـمـختارُ فــي شـبـابهِ
مــواهـبـاً فــاقـت عــلـى أتــرابـه
فــقـد رعـــى الأغـنـام والـتـجارهْ
مــارســهــا وأظـــهـــر الــمــهـارهْ
فـأُعـجـبـت خــديـجـةٌ بــمـا رأت
مــن خُـلُـقِ الـمـختار ثـم وافـقت
عــلـى الــزواج مــن حـبـيب الله
مــــحـــمـــدِ الــــعـــابـــد والأواه
وكـــان فـــي غـــار حــراء يَـعـبدْ
كــم مــن كـرامـاتٍ هـنـاك يـشهد
فــجــاءه الــوحـي فــقـال إقـــرا
فــخـاف ثـــم قـــال مـــاذا أقــرا
قـال لـه اقـرأ باسم ربي من خلق
قـد خـلق الإنـسان ربـي من علق
اقــــرأ بــاسـم الله فـــي إقـــدام
مــــن عَــلّـم الإنــسـان بــالأقـلام
عــــاد الــنـبـي خـائـفـاً مــمـا رأى
وقـد حـكى لـلأهل مـا كـان جرى
قــالـت لــه خـديـجةٌ لا لا تـخـف
ربي وقـاكَ الـشرّ أعـطاك الشرَف
والله ربـــــي لا ولــــن يُـخـزيـكـا
كــذا عــن الـخيرات كـم يـجزيكا
فــأنـت مــمـن يـصِـلـون لـلـرَّحِـم
ويَـصْدُقون فـي الـحديث والكلِم
وتَـحـمـل الــكَـلَّ تُـعـيـن الـنـاسـا
حـتـى يعـيشوا بـالـتُّقى أكـيـاسا
وأخــذَتْــه نـــحــو اِبــــن الــعــمِّ
ورقـــةِ بــــن نــوفــلٍ ذا الــعـلـم
فـقـال هــذا مــن عـلامـةِ الـرُّسُل
فـاصبِر عـلى قومك بعد واحتمِل
يـالـيـتـنـي إذ ذاك فــــي فــتــوةِ
يــخـرجـك الــقــوم بــكـلِّ قـــوةِ
فـــــأدرك الــنــبـيُّ ذي الــرسـالـةْ
وفـهــم الــمـغـزى مـــن الـمـقـالةْ
حــتـى أتــــاه أَنــــذِرِ الـعـشـيـرةْ
والأَقـربـيـن مــن جـمـيع الـديـرةْ
واخـفـض جـنـاحاً للـذين آمـنـوا
مجتهداً في النصح حتى يؤمنوا
فـإن عـصوك قـل لـهم إنـي بريءْ
إنـــي تـوكـلـت عـلـى الله الـعـليْ
وبـعـدهـا أنـــزلَ ربــي ذي الـعـلا
اِصــدع بـمـا تُـؤمر مـا بـين الـملا
أعـــرِضْ عــن الـمـشرك والـكـفار
ونـــحــن نـكـفـيـك أذى الــغَــدَّار
فـــصــعــد الــمــخـتـار لــلــنــداء
لـلـجـبـل الــعـالـي مــــع الــرجـاء
نـادى قـريشَ فـأتوا فـي الـساعة
وقــــــال لـــلأهـــل ولـلـجـمـاعـة
لـــو أنــنـي أخـبـرتـكم أنـــي أرى
هـذا الـعـدوَّ جـاءكـم قــد أشـهرا
حـربا بـخلفي هـل تـرون الصدقا
تـعـتـقدون الــقـول مــنـي حــقـا
تـصــدّقـون والــجـمـيـع أعــلــنـا
الـصــادقُ الأمــيـن أنـــت بـيـنـنا
فــعـنـدهـا قـــــال أنــــا الــنـذيـر
بــيـن يـــدي ربـــي فــلا تـقـصير
ولـتـعـبدوا الله الـمـلـيك الأحــدا
ولتنبذوا الأصـنام مـفتاح الـردى
فـعـنـدها نــادى عـلـيه بــو لـهـبْ
تـبـاً لـمـا قـلـت ولا لــن نـستجب
أجــابــه الله بــــأن تــبًّــت يــــدا
مـعترضٍ لـلحق يـهوي في الردى
تــبّـتْ يــداك خَـسِـرت أبـا لـهـب
لم تُغْنِك الأموالُ والجاهُ والنسب
تــصـلـى بــنــارٍ تــكـتـوي باللهب
وزوجُـــكــم حــمــالـة لـلـحـطـب

نبينا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب القرشي الهاشمي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ولد النبي محمد ﷺ في مكة المكرمة صبيحة يوم الإثنين، الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل (الموافق ٥٧١م تقريبًا)، في شعب بني هاشم يتيم الأب، وأمه آمنة بنت وهب، توفي أبوه وآمنة حامل لشهرين بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجده عبد المطلب بن هاشم، من كبار سادات قريش.
استقبل عبدالمطلب ولادة حفيده بالفرحة والبهجة والسرور ، وسماه محمدا، وحينما سئل عن سر هذا الاسم، قال: أريد أن يحمده أهل السماء وأهل الأرض، وقام بتربيته ورعاته، وحينما بلغ محمد السادسة من عمره توفيت أمه، واستمر جده في رعايته حتى الثامنة من عمره، حيث توفاه الله تعالى وقام عندها على رعايته وكفالته عمه أبو طالب، فرعاه حق الرعاية، وشب في كنف عمه أبي طالب، واشتغل برعي الغنم والتجارة، وفي رحلة للتجارة بصحبة عمه ظهرت ملامح بركة ونبوة سيدنا محمد عن طريق الراهب بحيرى ، فأدركت عمه أبو طالب بركته واهتم به اهتماما كبيرا لاسيما بعد تحذيرات بحيرا، وتزوج السيدة خديجة بن خويلد، التي جاهدت بنفسها ومالها في مساندة النبي صلى الله عليه وسلم على إبلاغ الرسالة، حيث بعثه الله تعالى برسالته إلى الناس كافة، فجاءه جبريل وهو يتعبد في غار حراء بالوحي، ونزل عليه قوله سبحانه:( ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ (١) خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (٢) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (٣) ٱلَّذِی عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (٤) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ (٥) }[سُورَةُ العَلَقِ: ١-٥]، فرجع إلى زوجه خديجة خائفا مما حدث، فطمأنته وأخذته إلى ابن عمها ورقة ابن نوفل، وهو ممن اطلعوا على الكتب المقدسة التي أشارت إلى صفات النبي وإرهاصات نبوته، فرأى ابن نوفل هذه العلامات في النبي صلى الله عليه وسلم، وأشار إلى المواجهات والمعارضات التي ستمر بالنبي صلى الله عليه وسلم في مقابل دعوته إلى توحيد الله تعالى، فكانت هذه إشارة إلى الابتلاءات التي تنتظر نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم.

تلكم لمحة بسيطة مختصرة حول ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، فما هي أبرز الابتلاءات التي مرت بالمصطفى عليه الصلاة والسلام؟
ابتلي النبي صلى الله عليه وسلم أولا بولادته يتيم الأب، حيث فقد أباه عبدالله بن عبدالمطلب وآمنة حامل لشهرين، فالفقد ابتلاء عاشه النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتمع على النبي صلى الله عليه وسلم اليتم والفقر، فعوضه الله تعالى تعالى الخير حيث يسر أمر رعايته، وأغناه بفضله سبحانه، وعةضه حنان الأب ورعايته بحنان الأم والجد والعم ورعايتهم له، فصبر في كل مرحلة من مراحل طفولته وشبابه، قال سبحانه:{ أَلَمۡ یَجِدۡكَ یَتِیمࣰا فَـَٔاوَىٰ (٦) وَوَجَدَكَ ضَاۤلࣰّا فَهَدَىٰ (٧) وَوَجَدَكَ عَاۤئلࣰا فَأَغۡنَىٰ (٨) }[سُورَةُ الضُّحَىٰ: ٦-٨]. فعاش صلى الله عليه وسلم الابتلاء برضى وصبر واجتهاد فوفقه الله تعالى، وكتب الله له الخير ورزقه ما يريحه ويسري عنه،فقد هداه الله إلى الخير، وأغناه من خيراته، وكان ممن يشار إليه بالبنان بين مجتمعه في اتصافه بالأخلاق الفاضلة، وجريات البركة على يديه، وحينما بعثه الله تعالى إلى قومه عانى منهم، ووجد ابتلاءات كثيرة في نفسه وأهله وماله، وقد أشار إلى ذلك ورقة ابن نوفل في حديثه حيث اللقاء الأول بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن ابتلاء سيتعرض له المصطفى عليه السلام المتضمن إيذاؤهم له بسبب دعوته إلى توحيد الله تعالى، فقال: ( يا ليتني فيها جذعا ( ليتني أكون حيا ) إذ يخرجك قومك، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: أو مخرجي هم؟!، قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك حيا أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي ) رواه البخاري .
نزل على النبى صلى الله عليه وسلم الأمر أولا بالدعوة السرية للأقربين له، قال سبحانه:{ وَأَنذِرۡ عَشِیرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِینَ (٢١٤) وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ (٢١٥) فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّی بَرِیۤءࣱ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِیزِ ٱلرَّحِیمِ }
[سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ٢١٤-٢١٧]، أمر الله تعالى نبيه محمدا بدعوة عشيرته الأقربين، والتواضع للمؤمنين به، مجتهدا في تعليمهم توحيد الله تعالى وما يرتبط به من أحكام مستحضرا التوكل على الله تعالى، فعليه الدعوة، والله تعالى يكتب الهداية.
نزل على النبى صلى الله عليه وسلم الوحي بعد ذلك بالدعوة الجهرية، قال سبحانه:{ فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِینَ (٩٤) إِنَّا كَفَیۡنَـٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِینَ (٩٥) ٱلَّذِینَ یَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ (٩٦) }[سُورَةُ الحِجۡرِ: ٩٤-٩٦]، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد على جبل أبي قبيس فنادى في قريش بطنا بطنا، وفخذا فخذا، فجاؤوا إليه، فقال: أريتم لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجميع خيلا تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: بلى، ما جربنا عليك كذبا، فقال لهم: إني نذير لكم من عذاب شديد، ودعاهم إلى الإيمان بالله تعالى وحده وترك عبادة الأصنام، فواجهه عمه أبو لهب بقوله: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا، والنبي صلى الله عليه وسلم تلقى هذا الإيذاء صابرا محتسبا موقنا أن الله تعالى يدفع عنه الأذى، حيث قال سبحانه لرسوله( إنا كفيناك المستهزئين)، وطمأنته الله تعالى وسرى عنه بقوله سبحانه:{ وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ یَضِیقُ صَدۡرُكَ بِمَا یَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِینَ (٩٨) وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ یَأۡتِیَكَ ٱلۡیَقِینُ (٩٩) }[سُورَةُ الحِجۡرِ: ٩٧-٩٩]، ورد الله تعالى على أبي لهب بسورة في القرآن الكريم، قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم { تَبَّتۡ یَدَاۤ أَبِی لَهَبࣲ وَتَبَّ (١) مَاۤ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ (٢) سَیَصۡلَىٰ نَارࣰا ذَاتَ لَهَبࣲ (٣) وَٱمۡرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلۡحَطَبِ (٤) فِی جِیدِهَا حَبۡلࣱ مِّن مَّسَدِۭ (٥) }[سُورَةُ المَسَدِ: ١-٥].

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر لنا ولجميع المسلمين