بقلم: سليمان بن حمد العامري

مما يثير القلق في عالمنا اليوم أن تتحول قيمة السلام السامية إلى أداة سياسية، تلوح بها بعض القوى الطاغية، بينما الواقع يعجُّ بالظلم والمآسي. لم يعد السلام يمنح لمن يصنع الأمن والعدل، بل أصبح شعارًا يُستخدم لتلميع صور باهتة وتبرير سياسات ظالمة.
ومع تصاعد الأزمات، نسمع اليوم تلميحات عن منح جائزة السلام لبعض الشخصيات التي لا تمت للسلام بصلة، بل كانت جزءًا من صناعة المآسي، وصمتت عن قتل الأبرياء في غزة وغيرها من بقاع العالم.
ما يثير القلق هو أن هؤلاء الذين شاركوا في الظلم أو سكتوا عنه، يقدمون أنفسهم الآن كدعاة للسلام، وكأن التاريخ فقد ذاكرته، وكأن صرخات الضحايا لم تسمع بعد. أي سلام هذا الذي يلمح به لمن كانت له يد في تمزيق الأوطان؟ وأي ضمير يسمح بتزيين وجوه الطغاة بأوسمة خلقت لتكريم أنقياء القلوب، لا ملوثي الأيدي بالدماء؟
إن هذه المجاملات السياسية والتنموية التي تسود العالم تمثّل نفاقًا دوليًا متقنًا، يستخدم لتلميع صور باهتة وتبرير سياسات ظالمة. فحين تختزل القيم في التصريحات، وتختطف العدالة إلى كواليس المصالح، يصبح العالم ساحة للمظاهر الخادعة، لا للحقائق الثابتة.
لقد بات واضحًا أن قوانين الحق والعدل التي سطرت في المواثيق الدولية لم تتجاوز حدود الورق. تستدعى حين تخدم مصالح الأقوياء، وتنسى حين تتعلق بالمظلومين. وهكذا يتحول مفهوم السلام من رسالة إنسانية إلى أداة سياسية تستخدم حسب اتجاه الرياح الدولية.
ومع كل هذا الزيف، تبقى الحقيقة ثابتة، أن التاريخ لا يكتب بأقلام الساسة، بل بضمير الشعوب وذاكرة المقهورين. وسيبقى شاهدًا على أن العالم الذي يلمح بتكريم الطغاة باسم السلام، هو ذاته الذي خان العدالة حين جعلها ورقة توقع لا قيمة تصان.


