آن الأوان للاعتماد على الذات

بقلم: محمد بن علي الشعيلي

في ظل الاعتماد التام على الاستيراد في جميع القطاعات من الإبرة إلى الدبابة؛ بات من الضروري إعادة النظر في استراتيجية التنمية الوطنية. إن الاعتماد المفرط على الغير يعكس حالة ضعف ويحدّ من قدرة البلاد على الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة.

كما بات من الضروري استغلال الثروات الوطنية بشكل فعّال وتوجيه الطاقات الشبابية نحو الابتكار والبحث العلمي، باعتبارهم الركيزة الأساسية لمستقبل الأمة، واحتواء البحوث العلمية والاختراعات وتشجيع الابتكارات المحلية، بهدف بناء قاعدة اقتصادية مستقلة وقوية تقوم على سواعد أبنائها.

نحن نعيش في عالم يتغير بسرعة وتتسابق فيه الدول على تطوير اقتصادها وابتكاراتها، فتبدو الحاجة ماسة لإعادة النظر في الاستراتيجيات الوطنية، خاصة تلك التي تعتمد اعتمادًا كاملًا على الاستيراد من الخارج. قول واضح لا لبس فيه: نحن نستورد كل شيء، من الإبرة إلى الدبابة؛ وهذا يعني أننا شعب مستهلك، والشعوب المستهلكة تبقى دومًا رهينة لغيرها. هذا الواقع يؤكد أن الاعتماد على الخارج أصبح نقطة ضعف حقيقية يشعر بها الجميع، خصوصًا عندما تتفاقم التحديات الاقتصادية والسياسية.

لقد أصبح واضحًا أن الاعتماد المفرط على الغير يعكس ضعف القدرة على الاستفادة من الموارد الوطنية، ويؤدي إلى فقدان السيطرة على صناعاتنا واستقلالنا الاقتصادي. اعتمادنا الخارجي يجعل البلاد عرضة للتقلبات الاقتصادية والسياسية في المنطقة والعالم، ويحدّ من قدرتها على اتخاذ قرارات وطنية مستقلة تدعم مصالح مواطنيها.

نحن اليوم في مرحلة تتطلب منا أن نكون أكثر حزمًا وجدية في استثمار الثروات والخبرات التي نمتلكها. فهل من المعقول أن نبقى مستوردين لكل شيء بكل ما تعنيه الكلمة ونحن نمتلك ثروات طبيعية وموارد بشرية هائلة من شباب مبدع؟ الجواب واضح: لا. ومن هنا تأتي ضرورة إعادة تقييم استراتيجيتنا الاقتصادية والعمل على تسخير الثروات الوطنية واستغلالها بشكل فعّال.

حان الوقت لنتسلح بالوعي ونضع نصب أعيننا أهمية استثمار الطاقات الشبابية، إلى جانب الاستغلال الحقيقي والجاد لكل مواردنا المتاحة، والتي تمثل الأمل الحقيقي لمستقبل الوطن. فالشباب هم وقود النهضة والتحول، والموارد الوطنية هي السبيل لتحقيق التنمية الحقيقية وخدمة المواطن. من خلال الحث والتشجيع واحتواء البحوث العلمية والابتكارات، يمكننا بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية تعتمد على المعرفة والابتكار بدلاً من الاعتماد على استيراد التكنولوجيا والمنتجات.

لا بد أن تتوفر سياسات واضحة تهدف إلى تشجيع البحث العلمي، وتسهيل نقل التقنيات، وإنشاء مراكز بحثية متميزة، وتحفيز الشركات للاستثمار في الابتكار. هذه الوسائل ستقلل اعتمادنا على الخارج بشكل كبير. من الضروري أن نخرج من حالة الحاجة الدائمة للغير، ونحوّل نظرتنا نحو الاعتماد على أنفسنا؛ فالإيمان بقوة الوطن وإمكاناته هو الطريق الأصح لتحقيق التنمية المستدامة.

علينا أن ندرك أن القوة الاقتصادية والسياسية لا تأتي من استيراد كل شيء حتى نبقى رهينة للغير، بل تأتي من إنتاجنا والتصنيع المحلي، وما ذلك إلا من خلال توظيف طاقات شبابنا وإعادة توجيه البحوث العلمية إلى مجالات حيوية تدعم هذا الهدف.

لقد علَّمتنا الأحداث المتسارعة حول العالم الكثير، وعلينا أن نستخلص هذه الدروس للخروج من دائرة المستهلك لكل شيء إلى السعي نحو الاكتفاء الذاتي. حان الوقت لإعادة ترتيب الأولويات، ومضاعفة الجهود لبناء اقتصاد وطني قوي ومتين يعتمد على قدرتنا الذاتية، وعلى الثروات والموارد التي وهبناها الله إياها، والإيمان بقدرتنا على النهضة والتطور، وبذل الجهود من أجل بناء مستقبل نعتزّ به خالٍ من الحاجة للغير.