بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعية
يقول سائق تاكسي:
توقفت أمام السوبرماركت، فإذا بشاب في أوائل العشرينات يترك والدته الكبيرة وحدها مع الأغراض، ثم يركب السيارة وينشغل باللعب في هاتفه، وكأن الأمر لا يعنيه، استغربت كثيرًا، فليس من عاداتنا أن نترك أمهاتنا، خصوصًا إن كُن كبيراتٍ في السن، يحملن الأغراض وحدهن. كان جالشا بكل برود، لا سلام ولا كلمة، مستمتعًا بلعبته فقط، نزلت من السيارة، والتفت إليه أنتظر أن يتحرك ليساعد والدته، لكنه بقي غارقًا في هاتفه. هززت رأسي واتجهت نحو المرأة وقلت: “يا أمي تفضلي اركبي، وأنا سأتولى الأغراض” بدأت أحمل الأكياس إلى صندوق السيارة، بينما كان صوت اللعبة يخرج من هاتفه في المقعد الخلفي، وكان هاتفي موصول بالشاحن لأجل الخرائط والتطبيق، وفجأة مد الشاب يده وسحب الهاتف بقوة، فانفصل معه الشاحن أيضًا، نظرت إليه متعجبًا من تصرفه ثم قلت بهدوء “أعطني الشاحن، فأنا بحاجة إليه، لكن والدته سارعت قائلة: دعه، لم يتبقى شيء على الوصول، حينها ازداد استغرابي، وقلث في نفسي إن هذا الشاب قد اعتاد الدلال الزائد، حتى أصبح يری كل شيء عاديًا. وصلنا إلى المنزل، وكان الباب مواربًا.
نزل الشاب، فتح الباب ودخل مباشرة، دون ٲن يلتفت حتى لإغلاقه، تاركًا والدته واقفة عند السيارة.
فاتجهت إليها وقلت: “يا أمي، تفضلي إلى الداخل، وأنا سأتولى حمل الأغراض “وبالفعل بدأت أنقل الأغراض وأضعها عند الباب وبعد أن انتهيت وأغلقت صندوق السيارة، نادتني الأم. ظننت في البداية أنها تريد أن تعطيني مالاً ٳضافيًا، وأنا بطبيعتي لا أحب أخذ الإكراميات. اقتربت منها، فقالت بصوت يملؤه الاعتذار: “يا ولدي، أرجوك اعذر ابني.. فهو مصاب بالتوحد، ولم أحب أن أتكلم أمامه. سامحني “في تلك اللحظة شعرت بالخجل من نفسي، وأدركث درسًا لن أنساه ما حييت:
ألا أحكم على الناس من مظهرهم أو من تصرف أراه لأول مرة، فلكل إنسان ظروفه التي لا نعلمها. نقلت القصة بتصرف من حساب (farid_alshahwarzi).
في هذا العالم المتسع، هناك حكاية يحملها كل إنسان في قلبه، لا يرويها لأحد، أشخاص نلتقيهم في ممرات الحياة، نرى ابتسامتهم ونستمع الى أحاديثهم العابرة، لكننا لا نرى ذلك الثقل الذي ينوء به كاهلهم، ولا تلك المعركة التي يخوضونها في صمت ولا الضغوط التي يعيشونها بصبر. هناك حقيقة يجب أن نتصالح معها ألا وهي؛ أنه لا توجد حياة مثالية على ظهر هذه الأرض، فالحياة كما يقال: (لوحة جميلة لكنها لا تخلو من بقع الحبر)، وأن الكمال فيها وهم مستحيل، لأنها بكل بساطة دنيا، دار فناء لا دار بقاء ومن يطلب فيها صفاء كمن يطلب الماء في النار. وكما يقول الشاعر أبو الحسن التهامي:
جُبِلَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا … صَفْوًا مِنَ الأَقْذَارِ وَالأَكْدَارِ
وَمُكَلِّفُ الأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا … مُتَطَلِّبٌ فِي المَاءِ جَذْوَةَ نَارِ.
وأمام هذه الضغوط وكثرة الابتلاءات، هناك من يلوذ بالصبر ويحتسب أجره عند الله؛ فهؤلاء لا يستعرضون آلامهم أمام الخلق، ولا يستجدون عطف البشر، أولئك هم الذين وعدهم الله سبحانه وتعالى حين قال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} فهو أجر مفتوح غير محدد، وهو دافع محرك لتلك النفوس الراضية المطمئنة باليقين وقد رسخ النبي ﷺ هذا المفهوم في نفوسنا؛ ليجعل من كل ألم يمر به المؤمن معبرًا لتكفير خطاياه، ورفع درجاته، حين قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه»(رواه البخاري ومسلم).
عزيزي القارئ، وأنت تركض خلف تطلعاتك وبلوغ غاياتك، حذارِ أن تقع في فخ الاعتياد فتتحول النعم التي تحيط بك وتغمرك الى أشياء عادية لا تلفت انتباهك إلا حين تفقدها، إن الامتنان لا يتطلب حياة خالية من المشاكل فقد نشعر بضيق الرزق لكننا في المقابل نملك جسدًا معافى يقوى على السعي، وقد تحاصرنا ضغوط العمل لكنك تمتن لبيت دافئ يأوينا آخر النهار، إن رؤية نصف الكوب الممتلئ ليست تخديرًا للذات، بل هي بصيرة ندرك من خلالها أن المنع من الله قد يكون عين العطاء،وأمام هذه الحقيقة، نجد الراحة في كلام التابعي الجليل شريح القاضي حين قال: “إني لأُصاب بالمصيبة، فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني”.
وأخيرًا: اعلم أن في كل خفقة قلب، وفي كل دمعة تسيل، وفي كل باب يُغلق، هناك نعم كثيرة أودعت لك بحكمة ربانية بالغة، عندما نصل إلى هذا المستوى من الرؤية، تتبدد من نفوسنا مشاعر السخط والمقارنة؛ لأننا نعلم أننا مغمورون بفضل الله، وأن النقص الذي نراه في جانب من حياتنا، يعوضه الله بنعم لا تُحصى في جوانب أخرى.
والآن هل لك بسؤال لنفسك:
ما هي النعمة التي تعيش في ظلها الآن وتتعامل معها كأمرٍ عادي، بينما هي في الحقيقة أمنية العمر لآلاف البشر الذين يحيطون بك؟






