صرخةٌ تحت ظلال النخيل: هجرنا «الزِفَانَة» فسقطت الجودة في أيدي العِمالَة!

بقلم: سـامي البلـوشي ” السكب”

​من يملك اليوم سر الجريد؟
​في زمن لم تكن فيه المشاعر تقاس بـ “الإعجابات” الافتراضية، كانت هناك في ماضي آبائنا وأجدادنا -بين ظلال النخيل الباسقة وأشجار المانجو الوارفة- ملحمة أسبوعية تسمى “الزفانة”. لم تكن مجرد حرفة يدوية لصناعة “الدعون”، بل كانت عقدًا اجتماعيًا غير مكتوب، وسيمفونية تلاحم يهتز لها فؤاد القرية من مطلع الشمس حتى مغيبها.

​تخيلوا ذلك المشهد الحماسي: يصيح صائح القرية معلنًا “الفزعة”، فلا يتخلف رجل ولا شاب، يلتقي الجيران وأصحاب الضواحي، لا ليقبضوا أجورًا بالدرهم أو الريال، بل ليقبضوا على جمر المحبة، هناك، بين سواقي الماء المنسابة، يتجلى كبرياء الإنسان العماني؛ يجدلون “الخوص” ويشدون “الحبال” بأيدٍ خشنة صنعت أمجاد بلد بأكمله.

​كيف لنا أن ننسى تلك التفاصيل التي تبكي المشاعر شوقًا؟ عندما ينتصف الضحى، يلتف الجميع لتناول “الريوق” (الإفطار الخفيف)، ثم تدور دلال القهوة العمانية المزعفرة لتشحذ الهمم، ومع أذان الظهر، تمتد موائد “الغداء” الجماعي بين المزارع؛ ليس فيها رئيس ولا مرؤوس، ليس فيها غني ولا فقير، الطعام واحد، والضحكات تهزم تعب الهجير، وأهازيج العمل ترددها أصداء الجبال والسهول.

​الدعون في ماضينا لم تكن كأي دعون؛ كانت مضرب المثل في الجودة، النخلة تنتقى بعناية، والخام يعالج بأمانة، والجريد يقصد في مواسم معينة ليعيش السقف عقوداً طويلة تحت مطر الشتاء وقيظ الصيف دون أن يهتز، كانت جودة نابعة من “الضمير” قبل الصناعة.

​ولكن..
أين نحن اليوم من هذا الإرث الصارخ؟ لقد تركنا المزارع، وهجرنا “الزفانة”، وسلمنا سواعدنا وتراثنا لعمالة وافدة لا تربطها بالنخلة قصة عشق ولا تاريخ، تلاعبوا بالخام، واستبدلوا الحبال المتينة بأخرى رديئة، وغابت الجودة لأجل الربح السريع، لقد تحولت تلك الصناعة التي كانت تحمل عرق الأجداد إلى “تجارة مشوهة” بلا هوية ولا أمانة!
​أما يحز في نفوسنا أن نرى الأمم من حولنا تحمي موروثها وتتمسك بمعولها، بينما نحن نقف متفرجين على نخيلنا يزفن بأيدٍ لا تعرف قيمته؟
الإشكالية ليست في غياب المادة، بل في انتصار “العجز الاجتماعي” وثقافة الاتكال.

​هذا المقال ليس مرثية للماضي، بل هو صرخة استنهاض للحاضر، إننا ندعو شباب عمان الأوفياء لإعادة الروح إلى مزارعنا، لنحيي “الزفانة” كمشاريع شبابية رائدة بأعلى معايير الجودة، ولنعلم أبناءنا كيف يصنع “الدعن” بعزة، وكيف تكون “الفزعة” بلا مقابل.

لنعد إلى تحت ظلال النخيل والمانجو، ليس لنلتقط الصور، بل لنعيد للأرض بركتها، وللمجتمع تلاحمه، فمن للنخلة إذا هجرها أهلها؟ ومن للسقف إذا لم تحمه سواعد بانيه؟