بقلم / درويش بن سالم الكيومي

في الحقيقة بأن الزمن لا يعود أبدًا، وإنما تبقى ذكرياته الطيبة التي لا تُنسى، وسوف أتحدث عن أيام الدراسة بالمرحلة الابتدائية عندما كنت بين زملائي وأصدقائي، احتضنتنا مدرسة جميل بن خميس السعدي، الباقية حتى الآن، وأخذت مكانها مدرسة مريم بنت عمران للبنات بمنطقة البداية. ومنذ ذلك الزمن ونحن نعتبر المدرسة هي الأم، والمعلمين هم الآباء الذين نكن لهم كل الود والاحترام، فقد تعلمنا وتربينا وتثقفنا على أيديهم حتى أصبحنا اليوم آباءً وأجدادًا، والحمد لله على نعمة الصحة والعافية. وأيضًا من كانوا معنا في المدرسة وصلوا إلى وظائف عليا في القطاعين العام والخاص، ولا تزال تربطنا بهم علاقة الدراسة، فأعتقد بأنكم عرفتم من نكون في زمن الجيل الذهبي الذي تحمل كل ظروف الحياة من أجل النجاح والتفوق.
لكن يؤسفني جدًا ما سوف أكتبه عن الفوارق ونقاط الضعف، شتان بينها وبين ذلك الزمن الذي يُطلق عليه «زمن الطيبين». وليس انتقاصًا في التربية، حاشا لله، ولكن القصد هو الالتزام والأخذ بالأسباب والعودة إلى الماضي والعادات والتقاليد والأعراف والسمت الأصيل الذي يتمسك به المجلس والسبلة العمانية. وللأسف الشديد، لقد نقص الرتم في هذه الأمور وبدأت بعض العادات تتلاشى من المجتمع العماني، فنأمل من أبنائنا أولًا التمسك بالعادات والتقاليد العمانية، والتحلي بالصبر العميق في كل المراحل الدراسية، لأنهم في زمن الراحة مع الهاتف والإنترنت والتكنولوجيا وغيرها من الخدمات.
لهذا السبب سوف أذكر لكم الظروف والأحداث التي تمسكنا بها ونحن على مقاعد الدراسة، وقد تكرم أحد الإخوة من الملتقى الثقافي الاجتماعي بإضافة بعض النقاط عندما كان الجيل المميز على مقاعد الابتدائية وفي مدرسة بدأت بالسعف والخيام ثم المباني. ففي زمننا كنا نلتزم بالوقت، ونحترم الكشاف عندما يقف عند البوابة وكذلك حارس المدرسة، وننتظم في طابور الصباح ونخشع للسلام السلطاني ونردده بكل قوة وانضباط عسكري. ونلتزم الهدوء في الصف، ونفرح عندما ينادي الأستاذ ويقول لك: أوصل هذا الدفتر إلى الصف الثاني، فتدخل على الطلبة وكأنك مندوب إحدى الدول. وفي الصف نكتب الدرس ونحل المسائل على السبورة، وإذا لم نعرف يأتينا العقاب مباشرة أمام الطلبة.
جيل يدرس السنة كاملة في تسعة أشهر حتى ينتهي المنهج، لا يحتاج إلى مساعدة ولا مدرس خصوصي ولا اختبار شهري، وممنوع الغياب حتى لو كنت مريضًا، فلا بد أن تحضر وتذهب في الباص إلى المركز الصحي. وفي زمننا كنا نتسابق على الصحف والمجلات، ونتسابق للمشاركة في الإذاعة والمسرح والنشاط الرياضي، ونشارك في كل محفل وكأننا نحتفل بالعيد من شدة الفرح.
جيل لا يبكي أو ينهار من عصا المعلم، ولا نتأثر عاطفيًا من ظروف العائلة، ولا تتعلق قلوبنا بغير أمهاتنا، ولم تحملنا المربيات ولم نبكِ خلفهن عندما يسافرن. نحن جيل نذهب إلى المدرسة ونعود إلى البيوت مشيًا على الأقدام، لا نتذمر من حرارة الجو ولا نتغيب في وقت الأمطار. جيل لم يأتِ إلى المدرسة بهاتف نقال، ولا يشكو من المنهج ولا من حجم الحقيبة ولا من الواجبات المدرسية. نحن جيل لا يستذكر لنا الدروس أولياء الأمور ولا يكتبون لنا الواجبات، وكنا ننجح دون دروس تقوية. جيل لم يرقص على الأغاني الهابطة أو الموسيقى الأجنبية، بل كنا نقبل المصحف عند فتحه وإغلاقه. جيل نلهو ونلعب مع بعضنا في الطرقات والملاعب الترابية، لا نخشى شيئًا ولم نتعرض لأي أذى من لص أو مجرم. جيل نكون في البيت قبل أن يحل الظلام، ونسهر في الحوش ونستأنس بالنجوم المضيئة نعدها ولا نصل إلى العدد الحقيقي حتى يداهمنا النوم. نحن جيل نسلم على الطائرة وهي في جو السماء، ونحيي الشرطي بكل هيبة واحترام. نحن جيل بداخلنا حب للوالدين، ونقدر المعلم، وللعشرة مكانة عظيمة، ونحترم الجيران، ونشارك الأهالي في الأفراح والأحزان وفي مواسم القيظ، ونتقاسم مع زملاء الصف الدراسي المصروف اليومي. جيل يدفع مصروفه كاملًا للجمعية العمومية «المقصف» من أجل استلام الأرباح في آخر السنة الدراسية.
وكل الشكر والتقدير إلى كل الإخوة المعلمين الذين لم يقصروا معنا، فالشدة كانت لنا طريق النجاح.





