من وحي الطوفان ( الحلقة الثانية)

بقلم: د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي

ابتلاء الأنبياء والمرسلين(١٩)
النبي موسى عليه الصلاة والسلام (٥ )

ألــقـى الـنـبي الـمـرتضى عـصـاه
بــــقــــوة الله ومـــــــا حــــبـــاه

فـانـدهشت قـلـوب كـل الـسحَرَهْ
وابـتـهـجت نـفـوس قــوم بــررَهْ

فـسـجـد الـسـاحـرُ تـلـوَ الـسـاحرِ
لــلـه تــابـوا عـــن زمـــانٍ غــابـرِ

وأعـلـنـوا الإيــمـان بالله الـعـلـيّ
وانقلبوا في وجه فرعون الشقيّ

فــــوقـــع الـــحـــق بـــأمـــر الله
وبــطُـلـت أفــعــال ذاك الــلاهـي

وقــال فـرعـون بـوجـه الـسحرهْ
خـالـفتم الــرأي بــدون الـمَشوَرهْ

آمــنـتـم بـالـسـاحر الـــذي أتـــى
مــفــرِّقـاً لـجـمـعـنا وقــــد عــتــا

لــذاك يـأتـيـكم عــذابـي أقــطـع
أطرافكم عـن رأيكم هيا ارجعوا

قــالــوا إلـــى الله انـقـلـبنا تُـبـنـا
نــرجــوه غــفـرانـاً لــمــا فـعـلـنـا

والــحـمـد لــلــه الــــذي هــدانــا
لــلـديـن كــنــا ســابـقـاً عـمـيـانـا

يـــا ربــنـا أفــرغ عـلـينا الـصـبرا
نـرجو رضاك في الدنى والأخرى

وبـعـدهـا أســرى الـنـبيّ مـوسـى
بـقـومـه حــتـى يـــزول الـبـوسـا

وجــــاء فــرعـون مـــع الـجـنـود
مــدعــيــاً يــفــخــر بــالــصـمـود

وقــوم مـوسـى أبـصروا فـرعونا
يـتـبـعهم خــافـوا هــنـاك الـهـونا

طـمـأنهم مـوسـى الـنـبي الأكـرم
قـال مـعي ربـي الـحفيظ المنعم

فـــضـــرب الــبــحـر بـــأمــر الله
فـانـفـلـق الــبـحـر بـــلا اشـتـبـاه

وعـــبــروا بـالـخـيـر والــسـلامـةْ
ذي آيــــةٌ مــــن ربــنــا الـكـرامـةْ

وأسـرعـت جـنـود أهــل الـبـاطل
يـقـدمـهم فـرعـون فــي تـطـاول

حـتـى إذا كـانـوا بـعـرض الـبـحر
أغــرقـهـم ربـــي جـلـيـل الــقـدر

فــهـذه قــصـة مــوسـى عـنـدمـا
واجــه فـرعـون الـلـعين الـظـالما

ألقى سيدنا موسى عليه السلام عصاه فإذا هي تلقف ما جاء به سحرة فرعون، فاندهشوا وانبهروا لما رأوا وحينها أيقنوا صدق نبوة موسى عليه السلام، وسجدوا لله تعالى، معلنين إيمانهم بين الجميع، قال سبحانه: { فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا۟ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُوا۟ صَـٰغِرِینَ (١١٩) وَأُلۡقِیَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِینَ (١٢٠) قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ (١٢١) رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ (١٢٢) }[سُورَةُ الأَعۡرَافِ: ١١٨-١٢٢]، وعندها واجههم فرعون متوعدا إياهم بالتعذيب والتنكيل منه لهم، ولكنهم أعرضوا عن فرعون، وألقوا كلامه وراء ظهورهم حيث تغلغل الإيمان بالله تعالى في قلوبهم، موقنين بأن الله سيكتب لهم الأجر العظيم على صبرهم وجهادهم، فجاءت هذه الآيات مبينة الحوار بين فرعون والسحرة: { قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكۡرࣱ مَّكَرۡتُمُوهُ فِی ٱلۡمَدِینَةِ لِتُخۡرِجُوا۟ مِنۡهَاۤ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَیۡدِیَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَـٰفࣲ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِینَ (١٢٤) قَالُوۤا۟ إِنَّاۤ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنقِمُ مِنَّاۤ إِلَّاۤ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔایَـٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاۤءَتۡنَاۚ رَبَّنَاۤ أَفۡرِغۡ عَلَیۡنَا صَبۡرࣰا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِینَ (١٢٦) }[سُورَةُ الأَعۡرَافِ: ١٢٣-١٢٦]، وقال تعالى: { فَأُلۡقِیَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدࣰا قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ (٧٠) قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِیرُكُمُ ٱلَّذِی عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَیۡدِیَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَـٰفࣲ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِی جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَیُّنَاۤ أَشَدُّ عَذَابࣰا وَأَبۡقَىٰ (٧١) قَالُوا۟ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاۤءَنَا مِنَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلَّذِی فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَاۤ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِی هَـٰذِهِ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَاۤ (٧٢) إِنَّاۤ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِیَغۡفِرَ لَنَا خَطَـٰیَـٰنَا وَمَاۤ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَیۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَیۡرࣱ وَأَبۡقَىٰۤ (٧٣) }[سُورَةُ طه: ٧٠-٧٣]، وهنا يظهر الإيمان الحقيقي بالله تعالى والصبر على البلاء، فالسحرة لم يبالوا بوعيد فرعون المتمثل في العذاب الذي توعدهم به لإيمانهم أن أفعال ووعيد فرعون دنيوية، وإنما وعد الله تعالى أخروي يتمثل في مرضاته ومغفرته لهم من اتباع فرعون وطاعته في مواجهة النبي موسى عليه السلام بسحرهم، فكان هذا الابتلاء بسيدنا موسى عليه السلام وبقومه المؤمنين.
وأوحى الله تعالى إلى سيدنا موسى عليه السلام الخروج بقومه فرارا من جبروت فرعون وبطشه، فانطلقوا في طريقهم وفرعون وقومه خلفهم، فلما واجهوا البحر خاف قوم موسى، فطمأنهم نبي الله أن الله تعالى سيكتب لهم الفرج والسلامة، وأوحى الله إليه أن يضرب البحر بعصاه، فانفلق البحر ويسر الله لهم طرقا عبر من خلالها موسى عليه السلام وقومه المؤمنون، ولما رأى فرعون ذلك أسرع بمن معه الخطى رغبة في عبور البحر من تلك الطرق، ولما وصل في منتصف الطريق رد الله تعالى البحر إلى حالته الأولى فأغرق الله فرعون والذين كفروا معه، وجعله الله آية وعبرة، قال سبحانه:{ فَلَمَّا تَرَ ٰ⁠ۤءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَـٰبُ مُوسَىٰۤ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّاۤۖ إِنَّ مَعِیَ رَبِّی سَیَهۡدِینِ (٦٢) فَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰۤ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقࣲ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِیمِ (٦٣) وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡـَٔاخَرِینَ (٦٤) وَأَنجَیۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥۤ أَجۡمَعِینَ (٦٥) ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡـَٔاخَرِینَ (٦٦) إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَةࣰۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِینَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ(٦٨) }[سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ٦١-٦٨].
هذه مواقف من ابتلاءات سيدنا موسى عليه السلام، وفي المقابل نهاية فرعون الظالم المتكبر الغرق بقوة الله تعالى وتدبيره، والحمد لله.

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر لنا ولجميع المسلمين ، اللهم تقبل صلاتنا وصيامنا وصالحات أعمالنا، وتجاوز عن سيئاتنا، واغفر لنا ولجميع المسلمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين، والطف اللهم بأهل غزة وفلسطين خاصة وبالمؤمنين عامة، وارحمنا برحمتك الواسعة. آمين يا رب العالمين.