بقلم: صَالِح الرِّيمِي – السعودية
كان هناك عطرٌ نادر، وُضع في مجلسٍ فخم، فانبهر به الجميع أول مرة، وحين أُفرِط في رشه، بدأ الحضور يتململون، ثم فتحوا النوافذ كأنهم يهربون منه، وفي زاويةٍ أخرى، كان إنسانٌ هادئ يحضر بلطف، ويغيب بخفّة، لا يقتحم الأحاديث، ولا يغيب عن القلوب ..
مرّت الأيام، فَنُسي العطر رغم فخامته، وبقي ذِكر ذلك الإنسان كلما غاب، قالوا: “هنا كان وترك في المكان راحة”، حينها أدرك البعض: أن الأثر لا يصنعه الحضور الكثيف بل الحضور الذي يعرف متى يقترب، ومتى يكتفي بأن يُحسّ.
لذا اجعل حضورك كالعطر يُدرك ولا يُثقل، ويُحس ولا يُرى، فالاقتراب المفرط يُذيب ملامحك في أعين الآخرين، ويجعلك مُتاحًا حدّ التلاشي، وقد يُعرّض قلبك لشرر طباعٍ لم تُصنع لك، كما أن البعد التام قسوةٌ صامتة، تُجفف حبال الود، وتترك المسافات تتكلم بدل القلوب ..
وبين هذا وذاك، يولد فنٌّ لا يتقنه إلا الواعون: فنّ “المسافة الذكية”، فتعلمها وكن قريبًا حين يحتاجك أحدهم دون أن يطلب، وبعيدًا حين يصبح القرب تعدّيًا على روحك أو روحه.
اجعل حضورك كالعطر يُشعر ولا يُرهق، ويُبهج دون أن يتكاثر حتى يختنق به المكان، ومرَّ بلطف، واترك في القلوب أثرًا لا ضجيجًا، فأجمل الحضور ما يُفتقد إذا غاب، لا ما يُتعب إذا طال، بمعنى ازرع حضورك بلطف، وارحل بخفّة، واترك خلفك أثرًا يُشتاق لا عبئًا يُتجنّب، فأسمى الذكاء الاجتماعي، أن تعرف متى تقترب ومتى تكتفي بأن تظل عطرًا في الذاكرة ..
واجعل حضورك كفنجان قهوة في صباحٍ هادئ لا يُسكب كلّه دفعةً واحدة، ولا يُحرم منه القلب، واقترب بما يكفي لتُدفئ، وابتعد بما يكفي لتبقى مُشتاقًا لك، فبعض الحضور جماله في مسافته.
ترويقة:
فنّ المسافة الذكية أن تعرف أن القرب ليس دائمًا حبًا، وأن البعد ليس دائمًا جفاء، والاتزن هو حضورك بميزان الوعي، فتقترب حين يكون لقربك معنى، وتبتعد حين يصبح وجودك زائدًا عن الحاجة ..
وفن المسافة الذكية أن تمنح دون أن تفرط، وتنسحب دون أن تجرح، وتبقى دون أن تفرض نفسك، فليست الحكمة أن تكون حاضرًا دائمًا، بل أن تكون حاضرًا في الوقت الصحيح،
وبالقدر الذي يُحفظ لك وتُحترم.
ومضة:
احترام المساحة الشخصية هو أسمى أنواع الذكاء الاجتماعي، فكن كالعطر يُعرف دون أن يقترب، ويُشتاق دون أن يثقل كالعطر يمرّ بخفّة، ويترك أثرًا لا يُنسى، لا يطلب الانتباه،
لكن حضوره يُلاحَظ، وغيابه يُفتقد.





