كل شيء قابل للتعويض حين نؤمن أن الحياة أوسع من خساراتنا..

بقلم: نورة بنت نجيم الدرعية

عِش الحياة دائمًا على مبدأ بسيط في لفظه عميقٌ في أثره: كل شيء ممكن يتعوض، هذا المبدأ ليس دعوة للاستهانة بالألم ولا إنكارًا للخسارة؛ بل هو طريقة ناضجة لفهم الحياة كما هي، متقلبة غير ثابتة لكنها عادلة على المدى البعيد، لمن يحسن الظن بالله وبنفسه. نحن لا نخسر عبثًا ولا نُحرم عبثًا بل نمر بتجارب تعيد ترتيب أولوياتنا وتكشف لنا مساحات لم نكن نراها من قبل.

في لحظة الخسارة يبدو كل شيء نهائيًا؛ فرصة ضاعت، أشخاص رحلوا، حلم تكسر. فنشعر وكأن الأبواب انغلقت دفعة واحدة؛ لكن الحقيقة أن الحياة لا تغلق بابًا إلا لتفتح آخر ،ربما ليس في اللحظة نفسها، وربما ليس بالشكل الذي نتمناه، لكنه في النهاية باب يحمل ما نحتاجه لا ما نرغب به فقط. الفرق بين من يتجاوز الخسارة ومن يعلِّق فيها هو الإيمان بأن القادم يحمل إمكانية التعويض.

خسارة الفرص من أكثر ما يُثقل النفس، وظيفة لم نحصل عليها، مشروع لم يكتمل، أو قرار ندمنا عليه لأنه فوّت علينا شيئًا كنا نراه مصيريًا، ومع ذلك كم مره نظرنا إلى الوراء واكتشفنا أن تلك الفرص التي حزنّا عليها لم تكن مناسبة لنا، وكم مرة رزقنا الله بما هو أفضل منها لكن بعد وقت. الفرص لا تنتهي والحياة لا تختصر في محطة واحدة وما كتب لك سيصل إليك ولو بعد حين وما لم يكتب لك فلن تنقذك كل محاولاتك في التمسك به.

أما خسارة الأشخاص فهي الأشد إيلاما؛ فالأشخاص لا يعوضون بسهولة، ولا ينسون بين ليلة وضحاها. الرحيل يترك فراغًا والفراغ يوجع، لكننا ننسى أحيانًا أن بعض العلاقات تنتهي لأنها استنفدت غايتها في حياتنا. ليس كل من دخل حياتنا خُلق ليبقى فيها؛ هناك من يرافقك مرحلة ليعلمك درسًا، أو يكشف لك جزء من نفسك ثم يرحل، وحين يرحل لا يعني أنك خسرت بل انتقلت إلى مرحلة أخرى. قد يكون فيها من يُقدرك أكثر ويفهمك أعمق ويمنحك طمأنينة لم تكن تعرفها من قبل.

التمسك بما رحل يرهق القلب، بينما الإيمان بأن الله سيعوضنا يحررنا التعويض لا يعني نسخة طبق الأصل، بل يعني شيئًا مختلفًا قد يكون أجمل وأهدأ. أحيانًا يكون التعويض في شخص جديد، وأحيانًا في السلام الداخلي، أو في قوة لم نكن نعلم أننا نملكها. التعويض قد يأتي على هيئة نضج أو وعي أو قدرة على الاختيار بشكل أفضل.

الحياة في جوهرها بسيطة، لكننا نحن من نعقدها بكثرة التفكير والمقارنات والتمسك بما لا يشبهنا. نحمِّل أنفسنا فوق طاقتها، ونعيش تحت سيناريوهات ماذا لو، ولو أنني فعلت، بينما البساطة تكمن في القبول؛ قبول أن كل شيء يحدث لسبب وأن التأخير ليس رفضًا، وأن الخسارة ليست نهاية. حين نقبل نخفف على أنفسنا عبء المقاومة ونستعد لما هو قادم.

تبسيط الحياة لا يعني اللامبالاة، بل يعني الحكمة. أن تحزن دون أن تنهار، وأن تتألم دون أن تفقد إيمانك، وأن تمضي قدمًا وأنت تحمل في قلبك يقينًا بأن الله لا يأخذ منك شيئاً إلا ليعطيك خيرًا منه. هذا اليقين؛ الذي يجعل الإنسان أكثر اتزانًا وأقل خوفًا من المستقبل وأكثر قدرة على البدء من جديد.

حين تعيش على مبدأ كل شي ممكن يتعوض، ستتغير نظرتك للحياة، لن ترى الخسارة كعدو بل كمرحلة، وستتعلم أن تثق بالتوقيت الإلهي، وأن تترك مساحة للدهشة لأن الحياة لا تكف عن مفاجأتنا حين نحسن الظن بها.

في النهاية الحياة ليست معركة نخوضها ضد أنفسنا؛ بل رحلة نحتاج فيها إلى اللطف مع ذواتنا لا نصعبها بالحسرة والندم والخوف. خفف واطمئن فما ضاع منك سيعوضه الله وما رحل كان ليرحل وما ينتظرك قد يكون أجمل مما تتخيل.