بقلم: د. رجب بن علي العويسي

يبدو أن قراءتنا لواقع أجيال اليوم، وقناعتنا المتراكمة بشأنهم، ونظرتنا السلبية في تقدير مساراتهم، أبعدتنا عن فهم حقيقة ما يجري من أحداث، وموقعنا في صناعة هذا الواقع المؤلم. وما زالت ثقافتنا حولهم تتجه إلى أنهم غير قادرين على صناعة التجديد، وأن ممارساتهم تعكس واقعًا مريرًا يتجافى مع ما نتصوره أو نقتنع به، وأن تأثير التقنية ومنصات التواصل الاجتماعي والإنترنت والفضائيات جعل الأجيال تعيش أزمة قيمية وأخلاقية، فهي بذلك غير مهيأة لإدارة أحداث العالم والتعامل مع تحدياته وطموحاته.
ومن هنا، جاءت نظرتنا إلى الأجيال الجديدة محمّلة بعلامات الاستفهام، ومصحوبة بأحكام قاسية لا تخلو من الأنانية والإجحاف. تحدثنا كثيرًا عن أخطائهم، وبالغنا في تضخيم هفواتهم، فنظرتنا نحوهم مصحوبة بعلامات الاستفهام، يتبعها نوع من الأنانية المجحفة بحقهم، المستغلة لعواطفهم، المتحدثة عن زلاتهم، الشحيحة في رصد إنجازاتهم وطموحاتهم وإلهامهم. ولا يزال وصفنا لهم بعبارات سلبية وتراكمات تسببنا في استبقائها فيهم، بالرغم من أنها لا تمثلهم، ومفاهيم ومصطلحات عكست الصورة الذهنية المضللة التي نملكها عنهم. فما بين أجيال ضائعة، وأخرى منسلخة عن الهوية، وأجيال تمضي إلى الانحراف والضياع والتهور، ألصقنا بهم أوصاف الاستهلاكية والاتكالية واللامبالاة وضعف المسؤولية، وغيرها كثير مما نسمعه أو نقرأه في خطب الدعاة والمنابر الوعظية، وأوراق المتعلمين والمثقفين والكتاب، متناسين كل جهود الإصلاح، وجوانب التحول الحاصلة في سلوك الناشئة، والمواقف المشرفة التي أثبتتها رغم النكبات والسقطات والإخفاقات التي تسببنا بها نحن، مجتمع الكبار.
إن هذا الواقع يعكس حجم الأخطاء التي وقعنا فيها نحن، في فكرنا وإعلامنا وسياساتنا وممارساتنا الاجتماعية ومفهومنا للآخر، حتى أسقطناها في حياة الأجيال، فظلمناهم بها، وسوّغنا لأنفسنا صحة ما نفعل بتبريراتنا السطحية، وقناعاتنا التي باتت تعكس تفكيرنا السلبي وقيمنا الرجعية، حتى أوقعنا أنفسنا في البحث عن قشور الممارسات، والاهتمام بشكليات الأشياء في حياتهم دون جوهرها، ووضعناها مبررات لأحكامنا المتسرعة عليهم.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن كثيرًا مما تعانيه الأجيال اليوم إنما هو امتداد لأخطاء صنعناها نحن. فنحن الذين تركنا لهم إرثًا مثقلًا بالنزاعات والصراعات والانقسامات، نسينا أو تناسينا أن ما يحصل من مفارقات في سلوك الأجيال ندفع ثمنه اليوم، فكنّا السبب في دخولهم في هذا النفق المظلم – إن صح التعبير -. لن تنسى الأجيال ما فعلناه بها، وما أوقعناها فيه من مآسٍ، أو تسببنا به من حروب وكوارث ونزاعات، أو حتى خيانات في حق أوطاننا ومبادئنا وأماناتنا، أو ما أضللنا به عقولهم بما اخترعناه من أساليب التسلية وعوامل الترويج والتسويق، فأبعدناهم عن الأولويات، واخترنا لهم سلوك اللامسؤولية بحجة عدم الثقة، أو أنهم غير مؤهلين لصناعة التحول.
لقد أسهمت الحروب والصراعات والكوارث والانقسامات التي شهدتها المنطقة والعالم، وحالة الصراع السياسي والاقتصادي التي أفرزتها مصالح الكبار وأنانيتهم، في تشكيل وعي هذه الأجيال وتوجهاتها. لذلك يجب أن نعترف أننا – الكبار – أصحاب اليد في رسم خريطة النفق الذي نتحدث عنه في قيم الناشئة وأخلاقها، والأفكار السلبية التي بنيناها لهم عن ذاتهم وعالمهم وهويتهم وانتمائهم وولائهم، فيما مارسناه في الواقع من هشاشة القيم، وضياع الثقة، وقلة احترامنا لبعضنا، وتعدينا على خصوصيات غيرنا، وضعف مصداقيتنا وثباتنا على المبادئ، والتدخل في شؤون الغير، والإساءة إلى مقدرات الآخر وهويته وأصالته وتاريخه وسيادته على أرضه، وافتعال الأزمات، وإثارة الأفكار العدائية، وتضليل الحقائق، وانحراف الإعلام عن رسالته، وتجييش الفضاء الرقمي لبناء صورة سوداوية عن الآخر في ظل ازدواجية المعايير، حتى انعدمت لدينا قيمة مشترك الدم والقربى والجوار والدين واللغة والتاريخ. وأغرقنا أوطاننا في النزاعات والخلافات والمذهبيات والتحزبات والثرثرات والاتهامات، حتى كادت أن تنمحي آثار نجاحاتنا، وما سطّره سلفنا على مدى التاريخ، وما امتلكناه من رصيد حضاري وقوة منافسة كان لها موقع الريادة في العالم.
ليستمر تعدينا على أعراضنا وأخلاقنا وقيمنا وهويتنا ومبادئنا وسمتنا بما قدمناه من محتوى هابط، وسلوك شائن غير لائق، وممارسة مبتذلة قائمة على السب والشتم والتشفي عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما يتسبب به ذلك من أجيال تعيش على حقائق مؤلمة وشواهد مفجعة.
ولعل من الإنصاف أن نسأل أنفسنا: أليست لهذه السقطات كلها آثارها العميقة في واقع الشباب اليوم؟ وكيف نطالبهم بالإصلاح ونحن لم نحسن إصلاح كثير من اختلالاتنا؟ ومع ذلك، فإن هذه الأجيال أثبتت في مواقف كثيرة أنها أكثر وعيًا وصلابة مما نتصور. ولعل أول نجاحاتهم صبرهم على إخفاقاتنا، وصمودهم أمام تنازلاتنا عن ثوابتنا، وسموهم ورقيهم حتى مع سقطاتنا، ووقوفهم رغم تعثرنا، وتحملهم لاتهاماتنا ووصفنا لهم بأنهم اتكاليون، مستهلكون، سلبيون، مقلدون. وقدموا نماذج مشرقة في العطاء والتميز والتضحية.
إن مسؤوليتنا الحقيقية تبدأ بمراجعة أنفسنا أولًا؛ فإصلاح الواقع يبدأ بإصلاح نفوسنا، وترقية ممارساتنا، واحترامنا لمسؤولياتنا، وأدائنا لواجباتنا، وقيامنا بمهام عملنا في كل مواقع العمل والمسؤولية بإخلاص وأمانة، وإعادة الهيبة لأمتنا، والدفاع عن حقوقها ومقدساتها، والمحافظة على مواردها وثرواتها، واحتواء أبنائها وقدراتها، وعدم التفريط في ثوابتنا وقيمنا وهويتنا، وتعزيز مساحات التواصل والتكامل والثقة والحوار والتعايش مع بني جلدتنا وشعوبنا – لمن كانت له أمانة واستحقاق ومسؤولية -، ووحدة الهدف بيننا، وتعميق حضورنا في صناعة سلامنا الداخلي وبيتنا الوطني وفق معايير الحق والمسؤولية والعدالة والمساواة والأمن والتنمية والتعايش، حتى تجد الأجيال في ذلك سندًا وقوة، وطريقًا يقيها التعثر والزلل، ليستمر إلهامها، وتقوى عزائم عطائها نحو البحث والاختراع والاكتشاف وبناء الذات، ويُصنع منها نموذج حضاري في الوفاء بحق إنسانيتها، وقدوات لقيادة مستقبلها، بما يحفظ كرامتها ويرعى حقوق أوطانها.
وحين ننجح في بناء بيئة صحية قائمة على الثقة والاعتراف والاعتذار والاحترام والعدالة وتكافؤ الفرص، سنمنح الأجيال ما تستحقه من سند وقوة وثقة. وعندها فقط، ستواصل مسيرتها في البحث والابتكار والاكتشاف وبناء الذات، لتصنع مستقبلها بوعي واقتدار، وتقدم نموذجًا حضاريًا يليق بإنسانيتها، ويحفظ كرامتها، ويرعى حقوق أوطانها. لنتفق أن الأجيال لم تكن يومًا المشكلة، بل كانت ضحية أخطاء لم تصنعها، وقرارات لم تشارك في اتخاذها. لذلك ستحاكمنا الأجيال على ما اقترفناه بحقها من جرائر، وعندها لن تنفعنا المبررات، لأنها ببساطة لن تنظر إلى ما قلناه عنها، بل إلى ما صنعناه لها من أثر، وما قدمناه من نموذج.






