بقلم: خميس سعيد الذيابي
ليست كل المسيرات تُقاس بالخطوات، ولا كل النجاحات تُختصر في أرقام، هناك رحلات تُقاس بصدق النية، وحرارة الشغف، وإيمانٍ عميق بأن للكلمة أثرًا يتجاوز حدود الصفحة، وحين نصل إلى هذه المحطة، فإننا لا نقف لنحصي ما مضى، بل لنستشعر قيمة ما بُذل، وما كُتب، وما بقي في الذاكرة حيًا لا يبهت.
حبر الوطن لم تكن يومًا مجرد منصة للنشر، بل مساحة للانتماء؛ انتماء للفكرة، وللوطن، وللمسؤولية التي يحملها كل قلم حين يخط حرفًا، هنا كبرت الأحلام بهدوء، وتشكّلت هوية لا تبحث عن الضجيج، بل عن الأثر. هوية تؤمن بأن الإعلام ليس سباقًا في السرعة، بل ثباتًا في المبدأ، وصدقًا في الطرح، واحترامًا لعقل القارئ، وخلف كل سطر قصة إخلاص، وخلف كل عدد جهد صامت لا يراه إلا من عاش تفاصيله، أقلام اجتمعت على هدف واحد، وقلوب آمنت بأن العمل الجماعي يصنع الفرق، وأن الوفاء للفكرة الأولى هو سر الاستمرار، في هذه الرحلة، لم يكن الطريق خاليًا من التحديات، لكنه كان دائمًا مملوءًا بالإصرار.
في هذا اليوم، الرابع عشر من أبريل ، لا نحتفل برقمٍ جديد فحسب، بل نحتفل بمسيرةٍ كاملة اختُزلت في العدد الأربعمائة من مجلة حبر الوطن الإلكترونية، ثماني سنوات مضت منذ انطلاقتها الأولى باسم “صدى الغليل” في الثالث والعشرون من يوليو عام ٢٠١٨ م، تحت إشراف مؤسسها الأستاذ خميس بن سعيد الذيابي، سنوات بدأ فيها الحلم بسيطًا، لكنه كان واضح الملامح: أن تكون الكلمة صادقة، وأن يكون الإعلام رسالة قبل أن يكون حضورًا أو انتشارًا.
خلال هذه الأعوام، لم تكن الطريق مفروشة بالسهولة، بل بالتحديات التي صقلت التجربة ومنحتها عمقها، كل عدد صدر كان خطوة جديدة نحو ترسيخ هوية تقوم على المهنية والالتزام، وعلى احترام عقل القارئ قبل السعي إلى إرضائه، كانت المجلة تكبر مع كل قلم مخلص، ومع كل فكرة تُكتب بروح المسؤولية، حتى أصبحت مساحة تعبّر عن نبض الوطن، وتجمع حولها كوكبة من الكتّاب الذين آمنوا بأن العمل الجماعي يصنع الفارق الحقيقي.
وفي قلب هذه المسيرة، تبقى أسماء لا تُنسى، رحلت بأجسادها وبقي أثرها حاضرًا في كل صفحة، كانوا من أعمدة المجلة وداعميها، الفاضل راشد خليفة الصالحي، والكاتب الصحفي محمد سعيد الجهوري، رحمهما الله، كانا مثالًا للدعم الصادق والمهنية العالية، وأسّسا بروحهما معنى الوفاء للرسالة الإعلامية، ذكراهما ليست مجرد استحضار للماضي، بل تجديدٌ للعهد بأن يبقى العطاء مستمرًا على النهج ذاته.
العدد أربعمائة هو لحظة امتنان قبل أن يكون لحظة احتفال؛ امتنان لكل كاتب منح من وقته وفكره، ولكل قارئ وثق بما نكتب، ولكل يد دعمت وآمنت، إنها محطة تؤكد أن النجاح لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بالاستمرارية، وبالثقة المتبادلة، وبالقدرة على أن تظل الكلمة حيّة، صادقة، وقادرة على إحداث أثر، ومع كل صفحة جديدة، يبقى الوعد ثابتًا: أن يظل حبر الوطن وفاءً للفكرة الأولى… وإبداعًا يتجدد مع كل عدد.
حبر الوطن.. كتبتها بقلمي لأني شعرت أننا انبتعدنا كثيرا عن الكتابة، لكن أرجو أن لا نبتعد عن قراءتها.. شكرًا لكم





