أعيادنا.. إنسانيةٌ تحفظ الود وتُزهر بالحب والسلام

بقلم: د. رجب بن علي العويسي

إنّ في تعاقب الأيام وتغيّر الأحوال حكمةً وعِبرًا للإنسان، ومواسم الإسلام العظيمة (الحج ورمضان)، وأعياده المجيدة (الأضحى والفطر)، نافذةٌ متجددة للحياة في ظلال الإسلام والسلام والأمان والإيمان، تحمل للإنسانية مبادئ الخير والتسامح والعفو والصفح والأخوّة، وتؤسس لنهضة القيم والأخلاق والتضامن والتآلف والتكاتف.

إن في أعياد الإسلام محطات للتأمل، والوقوف على سرّ الهداية الربانية، ونزول النفحات الإلهية، ترسم للإنسان مسارات التفاؤل والإيجابية، وتؤسس فيه نوازع الخيرية والإحسان، وتجدد في محياه ابتسامة الأمل وإشراقة السعادة، بقادمٍ جديد وحياة هانئة، ووعيًا جمعيًا يصنع الوحدة ويقف على كل مسببات الفرقة ومهيجات الخلل، بصدق الرجوع والأوبة إلى الله تعظيمًا لشعائر الله ووقوفًا عند حدوده وحرماته، لتزول عن النفس الأحقاد والكراهيات، وتجدد ثورة الوعي، وتنمو أجندة السلام، وتنهض قيمة الإنسان في سمو فكره وصدق ممارساته ورقي أخلاقه، وتنازله عن فوقيته، فيجسّد الحج الأكبر عمق الانصهار الإنساني في شعائر الله، واستشعارُ سلوك الإيجابية وترسيخُ قيم المسؤولية فرصةٌ لاستراحة النفس، وإعادة النظر في السلوك كمنطلق لبناء الذات وحكمة التصرف وإدارة المواقف اليومية. فهي بما تحمله من معانٍ نبيلة وقيم أصيلة وقواعد للسلوك الإيماني، وما وجّهت إليه من الذكر والدعاء والتكبير وصلاة العيد والسلام والمصافحة، وما ندبت إليه من لبس الجديد والطيب، وزيارة الأقرباء والأرحام، وتبادل الود بين الإخوة والجيران وأبناء المجتمع، وإظهار معاني البشر والسرور والتفاؤل والابتسامة، والصدقة والعطف على المحتاج وذوي الحاجة، منطلقاتٌ لفهم الحياة في صورة العطاء المستدام، وتأكيد مبادئ الإيثار والتسامح والسلام، وترقية العاطفة وحسن توجيهها، بما يحقق ملحمة التكامل والتعاون بين بني البشر.

إنها دعوة للحياة في ثوبها الجديد، وقراءة لها في واقعها المتغير، وتكيّفها مع أحداثه ومستجداته؛ فالعيد بذلك يصنع للحياة الجديد، ويعظّم فيها قيمة التجديد، ويُبنى في ظلها مناخ السعادة والود والابتسامة الصادقة والكلمة الطيبة والإحسان. إن أعياد الإسلام العظيمة فرصة لصناعة التغيير من أوسع أبوابه، ولغة راقية في قراءة الحياة بوعي، والنظر إليها بتسامح، وبنائها في ظل سلام وأمن وطمأنينة واستقرار ورقي عاطفة، ومنحها فرص صناعة البدائل في مواجهة كل أشكال التغييب لمفهوم الحضارة الواعية والرقي الإنساني، واستحضار الأخلاق والمشتركات الإنسانية، والترفع بها عن الإساءة للآخر. فما تحمله أعياد الإسلام من مبادئ العفو والصفح والتسامح والسلام كفيل بتعميق الفكر الإيجابي، وإزالة كل عوامل الفرقة، ومحو كل أشكال الخلاف، وإذابة كل عوامل التمييز، وضبط كل مسببات الفوضى. ولما يرتبط بهذه المبادئ من منطلقات للتقييم ومعايير للأداء الناجح، فإن إدراك هذه الأطر والمنهجيات الحياتية في ظل الإسلام لا يمكن أن يتحقق بصورة عملية إلا إذا فهم المسلمون مقاصدها العظيمة ومبادئها السامية، وعملوا بصدق على إدراك الخلل وتصحيح الممارسة وصياغة التجديد في حياتهم عبر مواسم الحج الأكبر الذي يجتمع فيه المسلمون في صعيد واحد، ورمضان بما يحمله من هاجس الشعور الجمعي ويؤطر لسمو الهدف والغاية، وفرص البناء على المشترك القيمي، وقراءة العمل القادم في ظل توظيف الاختلاف والتعددية لتحقيق التكامل وقوة التوجه.

وما أعظم أن تتجمل أمة الإسلام بلباس التقوى في مواجهة كل صيحات الخلاف ومكدرات الاختلاف السلبي ومؤصلات المذهبية ومروجات الطائفية التي عطلت تقدم الأمة وأخرت تطورها، وسكبت على الأمة ويلات التخلف، وأخرت فرص التقدم، وخربت الديار، وعصفت بكل الأعراف والمبادئ والأخلاقيات والنهج، حتى أسلمت نفسها للواقع، وبدأ العالم ينظر إلى ممارسات المسلمين وسلوكياتهم مع بعضهم نظرة استخفاف وازدراء لصنيعهم، فإن أمة الإسلام اليوم مطالبة بمراجعة كل هذه المحطات، لتكون أعيادها ميلاد أمة ونهضة روح وإحياء للنفس من موت الضمير وسواد القلب وضعف الثقة، لتحيي ضمائر الشعور بقادم أفضل وسلام أدوم وتصالح يؤسس في النفس مرافئ الحب وأشرعة العطاء وهي تسير في بحر الحياة متلاطم الأمواج، تعصف به رياح التغيير الشديدة، فتنقله إلى عوالم الحياة الأخرى.

إن بناء مستقبل أفضل للأمة في عالم مضطرب، يتطلب استثمار هذه المواسم في ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز روح التعاون، والانفتاح على قضايا العصر في مجالات التنمية والاقتصاد والتعليم والبحث العلمي والابتكار. فالحياة التي تقوم على الأمل والعمل المشترك قادرة على تحقيق منجزات أكثر استدامة، وأعمق أثرًا في بناء الأجيال، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، وأن تكون أعيادنا منطلقًا للتغيير الإيجابي، وفرصة لإعادة صياغة الحياة برؤية متجددة تعزز مكانة الإنسان، وتدعم استقراره، وتمكّنه من مواجهة التحديات بثقة ووعي. كما أن من المهم استثمار هذه المناسبات في نشر ثقافة التسامح، ومواجهة دعوات الفرقة والتعصب، وترسيخ قيم الوحدة الوطنية والإنسانية، بما يسهم في بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وانسجامًا.

إننا في سلطنة عُمان نستلهم القيم الرفيعة في أعياد ديننا الإسلامي، ونعمل على بناء عاداتنا الاجتماعية وسمتنا العُماني ليكون أكثر التصاقا بتشريعاته وارتباطًا بأحكامه، وننظر إلى حاجة الأمة اليوم لتنطلق من هذه المعاني والأهداف العليا في صناعة التغيير، وبناء مشروعها الحضاري وتعزيز موقعها الريادي وتعظيم شعائر الله وحرماته باعتبارها المحك الذي يرسم طريق القوة ويستجلي صدأ التشويه ويحافظ على مساحة الأمان والأمل حاضرةً بقادم جديد وأمل متجدد، واستشعارٍ لعمق ما تحمله أعياد الإسلام العظيمة من قيم الوحدة والعزة والشموخ والنصر والتقدم والتطور، لترفرف على الإنسانية أشرعة الحب والسلام، وتصفو مناخات الود والوئام، وتتعمق أرضيات التعايش والحوار؛ فالعيد بذلك دعوة متجددة لإحياء القيم، وبناء الإنسان، واستعادة روح الأمة، نحو مستقبل أكثر إشراقًا وطمأنينة وأمانا واستقرارًا.