بقلم: خليفة بن سالم الغافري

نستيقظ كل صباح على سيلٍ من الرسائل المزخرفة بالورد والياسمين والفلّ والنرجس،
كلماتٌ تتدفق عبر الهواتف كأنها طقوس يومية لا يكتمل الصباح إلا بها:
“صباح الورد…”
“صباح الجمال…”
“صباح الأمنيات الجميلة…”
ثم نضغط زر الإرسال فنشعر أننا أدّينا واجب اللطف لهذا اليوم.
لكن السؤال الذي يمرّ سريعًا في الزحام ولا يتوقف عنده كثيرون:
لمن نكتب كل هذا الدفء؟
ولمن نؤجل الكلمات الحقيقية؟
كم من شخص يرسل عشرات عبارات “صباح الفل” للأصدقاء والمجموعات،
ثم يعبر بجوار أمّه في البيت دون أن يقول لها كلمة حانية؟ كم من زوجٍ يجيد انتقاء صور الورود للواتساب،
لكنه لا يتذكر أن زوجته تستحق صباحًا رقيقًا بصوته هو، لا بصورة منسوخة؟
كم من أبٍ يضحك ويتفاعل مع رسائل الغرباء،
بينما ابنه أو ابنته لم يسمعا منه منذ زمن:
“صباحك جميل يا قطعة من قلبي.”
المفارقة المؤلمة أننا أصبحنا أكثر جرأة في إظهار المشاعر للبعيد، وأشد تحفظًا مع القريب.
كأن الكلمات الرقيقة خُلقت للأصدقاء والمتابعين، وهذا الكلام ليس للتعميم انما هي مجرد تساؤلات.
أما أهل البيت فعليهم أن يكتفوا بالفتور اليومي ورتابة الأيام.
بعضنا يخجل أن يقول لأخيه:
“صباح الورد.”
ويعتبرها مبالغة أو تصنعًا،
بينما يكتبها بكل عفوية لمئة شخص لا يعرف عنهم سوى صورة الحساب.
مع أن الإنسان لا يحتاج الكلمات الجميلة خارج بيته بقدر حاجته إليها داخله.
فالبيت الذي يسمع فيه الأبناء صباحات لطيفة،
يكبرون بأرواح أقل قسوة.
والزوجة التي يبدأ يومها بكلمة حنون،
لا تنسى أثرها مهما كان اليوم متعبًا.
والأم التي تسمع دعوة صادقة في الصباح،
تشعر أن عمرها لم يذهب هباءً.
حتى الأب، ذلك الرجل الذي يتظاهر بالقوة دائمًا، تربكه أحيانًا كلمة دافئة أكثر مما تربكه الدنيا كلها.
ليست المشكلة في رسائل الورد والياسمين،
بل في أن تتحول المشاعر إلى نشاط إلكتروني فقط، بينما يظل البيت متعطشًا للكلمة الطيبة.
ما أجمل أن نستبدل عادة “إعادة التوجيه” بعادة الالتفات لمن حولنا.
أن يصبح أول صباح جميل نرسله… لأهلنا.
لمن يشاركوننا العمر لا قائمة الأصدقاء فقط.
لمن يعرفون تفاصيلنا الحقيقية، ويتحملون مزاجنا، ويبقون معنا رغم كل شيء.
فالورد الذي يصل إلى قلب أمك،
أثمن من ألف وردة تصل إلى شاشة هاتف.
والكلمة التي تقولها لزوجتك أو لابنك وجهًا لوجه،
أصدق من كل صباحات الواتساب المعلبة.
ربما نحن لا نفتقر إلى الحب،
بل نفتقر إلى إظهاره في المكان الصحيح.


