بقلم : د.محمد إسماعيل- الأستاذ المساعد بجامعة صحار

لقد دأب العرب منذ العصر الجاهلي على نظم أشعارهم وقصائدهم وفق نظام قائم على وحدة الوزن والقافية.
ولا يدَ لهم في هذا؛ إذ هو أمرٌ فطريُّ جُبِلوا عليه وساروا على منواله بالسليقة، وقد ظهر جليًّا – كما يقول العقاد – فيِ فن الحداء، وهو غناء مفرد موقَّع على نغمة واحدة: (بحر الرجز في الغالب) ثابتة تتفق مع حركة الجمل، وكانوا ينهون أبياتهم بقافِية واحدة؛ لأنها تنبَّه السامع إلى المقاطع والنهايات. ثم يعمم العقاد هذا الأمر خاصا القافية قائلًا: ” إنَّ الأمم التي ينفرد فيها الشاعر بالإنشاد تظهر القافية في شعرها؛ لأن السامعين يحتاجون إلى الشعور بمواضع الوقوف والترديد، وإنَّما تنشأ الحاجة إلى القافية أو وقفة تشبه القافية عند تفاوت السطور، وانقسام القوم إلى منشدين ومستمعين.
وهذا الأمر يعكس تفاعلًا ملحوظًا بين المتلقي (المستمع) من ناحية والمبدع (الشاعر أو المنشد) من ناحية أخرى، كما أن دلالة ما تكمن فيه من جهتين: الأولى تتعلق بأثر القصيدة ذات الإيقاع الثابت المنتظم في بحرٍ واحد وقافية واحدة في خلق جماليات تلقيها في ذلك الإطار، وتتصل الثانية بسمة ذلك النظام الإيقاعي وطرائق تشكله فىِ القصيدة، وهل هو متماثل مع إيقاع العروض – كما اكتشف آلياته عالم فذ هو الخليل بن أحمد الفراهيدي- أو أنَّ بينهما تخالفًا ما.
وعدم وجود خلل في هذا النظام – خصوصًا في بداياته – أمر مستحيل؛ فما من نظام لغوي مكتمل خلا القرآن الكريم.
ومن صور هذا الخلل قصيدة النابغة الذي يتضح بين مطلعها وبعض أبياتها:
أمِنَ آلِ ميَّةَ رائحٌ أو مُغْتَدِ
عـَجـْلانَ ذا زادٍ وغيـرَ مُـزوَّدِ
زَعمَ البوارحُ أنَّ رحلَتَنا غدًا
وبذاكَ خبَّرنا الغُرابُ الأسودُ
فعيبَ عليه، ونُبِّهَ إلى أن بشعره “إقواء”- وهو عيب من عيوب القافية – ففطن، وغير هذا الشطر وقال:
وبذاكَ تنعابُ الغرابِ الأسودِ
ولم يَعدْ إلى الإقواء بعد ذلك، وكان يقول: دخلت يثرب وفي شعري شيء، وخرجتُ وأنا أشعرُ الناس.
وقد حدث الأمر نفسه من بشر بن أبي خازم، في بيته:
ألمْ ترَ أنَّ طُولَ الدَّهرِ يُسلي
ويُنسي مِثلَ ما نَسِيَتْ جَذامُ
وكانوا قومَنَا فَبَغَوْا علينا
فسُقْناهمْ إلى بلدِ الشآمِ
ففطِنَ أيضًا بشر فلم يعد، وقد علَّق أبو عمرو بن العلاء على هذا بقوله: فحلان من الشعراء كانا يقويان: النابغة، وبشر بن أبي خازم.
هذا من ناحية القافية، أما من ناحية الوزن فهناك بعض النماذج لأبياتٍ جاهلية لم تلتزم بوحدة الوزن (صحته) مثل قصيدة عبيد بن الأبرص.
أقْفَرَ مِنْ أهلِهِ مَلْحوبُ
فالقُطَّبِيَّاتُ فالذَّنوبُ
ومن أبياتها:
إمَّا قتيلًا وإمَّا هالكًا
والشَّيْبُ شَيْنٌ لِمَنْ يَشِيبُ
أفلِحْ بما شِئتَ فقدْ يَبْلُغُ
بالضَّعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأريبُ
فقدْ يَعودنَّ حبيبًا شانئٌ
ويَرْجِعَنَّ شَانئًا حَبيبُ
وقد قال عنها قدامة بن جعفر: إن بها أبياتا قد خرجت عن العروض ألبتة. وهذا يعني أن الخلل جزئي؛ فمجملها موزون، وقد ألحقها بالفعل الدكتور شوقي ضيف بمخلع البسيط.
وهناك شواهد أخرى للخروج على الوزن في الشعر العربي على مرِّ عصوره بدءًا من العصر الجاهلي كما ذكرت، حتى عصرنا الحديث.
غير أن الشاعر قد صار أكثر وعيًا بقواعد اللغة وبخصائص الشعر، لا سيما بعد ظهور العروض، فلا نكاد نجد شيئًا من اختلالات الوزن في الشعر التقليدي إلَّا في الموشحات ثم في الشعر الجديد، إذا ما استثينا هفوات المحترفين ومحاولات المبتدئين.
ولا يقتصر الأمر على اختلال الوزن؛ فالأوزان المخترعة – تعد كذلك – مظهرًا من مظاهر الخروج على هذا النظام.
يتضح من هذا أن الشعر العربي له نسقٌ محدد كثيرًا ما يُلتَزَم، وأحيانًا يُخرَج عليه.
وحتى لا يكون الخروج على النسق عبثيًا في الشعر وفي غيره من الفنون؛ لا بدَّ أن يكون مثيرا للانتباه وباعثا لليقظة، وهو بذلك يقاومُ الخَدَرَ الناشئ من التكرار المنتظم، ولابدَّ كذلك أن يجعل العمل الفني أقدر على التعبير عن طريق دعم الجانب الفكري في مواجهة الجانب الحسي.
وللخروج على النسق طريقتان ــ على حد قول الدكتور علي يونس ــ: كَسرُ الوزن وبعضُ أنواع الزحاف والعلل الجارية مجرى الزحاف، والوزن يستوعب من الزحافات قدرًا أكبر مما يستوعَبُ من كَسرهِ.




