كل ثلاثاء


الورد الباكي

بقلم: أحمد بن علي القطيطي

عندما يبكي الورد، تتغير ملامح الأشياء من حوله، كأن العالم كله يتوقف ليستمع إلى أنينٍ خفي يخرج من قلب زهرة صغيرة تحمل في طياتها أسرارًا لا يراها أحد. فالبكاء هنا ليس دموعًا تنهمر، بل هو حكاية تتسرب من بين أوراق الورد؛ لتروي قصة عشقٍ قديم، أو ألمٍ دفين، أو انتظارٍ طويل يذيب الروح، كما تذوب قطرات الندى على خدود الصباح.
يبدأ المشهد حين تقترب من تلك الوردة، فتشعر أن عبيرها لم يعد كما كان، وأن لونها فقد شيئًا من بريقه، كأنها تخبرك أن خلف هذا الجمال حزنًا يختبئ، وأن خلف هذا الصمت صرخة مكتومة تبحث عمَّن يفهمها. وتجد نفسك مأخوذًا بهذا الغموض، تتساءل: ما الذي يجعل الورد يبكي؟ وما الذي يسرق منه فرحته التي طالما كانت رمزًا للحياة والبهجة؟
كل ورقة تحمل سرًا، وكل شوكة تحرس حكاية، وكل نسمة تمر بجوارها تهمس بما لا يُقال، فتشعر أن الورد ليس مجرد نبات، بل هو كائن حي يشاركنا مشاعرنا؛ يفرح حين نفرح، ويحزن حين نحزن، وربما يبكي حين يرى قسوة البشر، أو حين يفتقد لمسة يدٍ حانية كانت تعتني به وتمنحه الأمان.
تقترب أكثر، فتسمع في داخلك صوتًا يقول إن بكاء الورد ليس ضعفًا، بل هو قوة خفية؛ قوة تجعلنا نتأمل معنى الجمال، ومعنى الألم، ومعنى أن تكون الحياة مزيجًا من الاثنين معًا. فكما أن العطر لا يكتمل إلا بوجود الزهرة، كذلك لا يكتمل الفرح إلا حين نعرف قيمة الحزن، ولا ندرك معنى النور إلا حين نذوق طعم الظلام.
وهنا تبدأ رحلة التشويق، فكل لحظة تقضيها بجوار تلك الوردة تزيدك رغبة في اكتشاف سرها، وكل نظرة إليها تجعلك تغوص أعمق في عالمها، حتى تشعر أنك جزء من قصتها، وأن دموعها ليست دموعها وحدها، بل دموعك أنت أيضًا، ودموع كل إنسان عرف معنى الفقد، أو معنى الانتظار، أو معنى الحب الذي لم يكتمل.
تتذكر حينها أن الورد كان دائمًا رمزًا للعشاق، وأنه كان شاهدًا على أجمل اللقاءات وأصعب الفراقات، وأنه كان يحمل رسائل لا يجرؤ القلب على قولها بصوت عالٍ، فيكون هو الوسيط بين الأرواح، وهو اللغة التي لا تحتاج إلى كلمات، وهو الصمت الذي يقول كل شيء.
وفي لحظة ما، تدرك أن بكاء الورد ليس إلا دعوة لنا لنكون أكثر إنسانية، ولنُدرك أن الجمال لا يعيش بلا رعاية، وأن الحب لا يستمر بلا تضحية، وأن الحياة لا تزدهر بلا رحمة، فتشعر أن دموعه رسالة موجهة إليك أنت تحديدًا؛ لتعيد النظر في طريقة عيشك، ولتسأل نفسك: هل منحت من حولك ما يستحقونه من حب واهتمام، أم تركتهم يذبلون كما يذبل الورد حين يهمله صاحبه؟
وهكذا ينتهي المشهد، لكن أثره يبقى في داخلك، كأنك خرجت من لقاء مع صديق قديم، أو من حكاية لم تكتمل. فتظل تفكر في تلك الوردة التي بكت، وتظل تسأل نفسك: هل كان بكاؤها حزنًا؟ أم كان حبًا؟ أم كان مجرد طريقة لتذكيرك بأن الحياة قصيرة، وأن كل لحظة تستحق أن تُعاش بكاملها، وأن كل وردة تستحق أن تُحفظ في قلبك قبل أن تذبل وتختفي؟
وهكذا يظل بكاء الورد لغزًا مفتوحًا، يثير فينا الفضول، ويشعل فينا الرغبة في البحث عن المعنى، ويجعلنا ندرك أن وراء كل دمعة جمالًا خفيًا، ووراء كل حزن أملًا ينتظر أن يولد من جديد.