بقلم: بدرية مبارك الدرعي
يقول أحدهم: أنا محمد، أبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، تُوفيت والدتي وأنا رضيع، وبعد أقل من شهر تزوّج أبي لأنني كنت بحاجة إلى من يرعاني، يومها ظنّ الجميع أن حياتي بدأت بأقسى حكاية يمكن أن يعيشها طفل مع زوجة أب، كانت إمرأة مصرية بسيطة، تأخر زواجها بسبب عملية أجرتها في سن مبكرة، وأخبرها الأطباء بعدها أن فرص إنجابها تكاد تكون معدومة، لذلك كان كل من يتقدم لها يتراجع حتى بلغت الثلاثين دون زواج، واختارها أبي لهذا السبب تحديداً؛ لتتفرغ لرعايتي فقط، أغدقت عليّ حبًا وحناناً لا يوصفان، وكانت دائمًا تناديني:«يا بابَ جنّتي» كبرت، وكانت علاقتها بأبي قائمة على الاحترام والتقدير، ثم تحولت مع الأيام إلى حب حقيقي وصادق وبعد سنوات حدثت المفاجأة وحملت رغم كلام الأطباء، ورزقنا الله بطفلة جميلة اسمتها صفية، يومها شعرت بالغيرة، وقلت في نفسي: الآن أصبح لديها طفلها الحقيقي، لكن حبها لي لم يتغير أبداً، بل كانت دائماً تقول: هذه أختك… أنت سندها وسندي. كانت تغرس بداخلي أجمل القيم، وتشعرني دائماً أن لي مكانتي ورأيي، حتى في أصغر الأمور، وإن أغضبتني أختي يوماً، كانت أمي تعاتبها قائلة:
إياكِ أن تُغضبي باب جنّتي، ومنذ أيام سألتها:
لماذا تناديني دائماً بهذا الاسم؟فقالت لي إنها رأت أمي رحمها الله في المنام يوم دخلت بيتنا، وكانت تحملني وتقول لها:خذي هذا… فهو بابكِ إلى الجنة، ثم نظرت إليّ وقالت:
أيرضى بابُ جنّتي أن يكون سيئ الخلق أو غير مسؤول؟ أيرضيك أن تكون تربيتك سبباً في دخولي النار؟ عندها احتضنتها بقوة، وحمدت الله لأنه رزقني امرأة لم تكن مجرد زوجة أب بل كانت أماً حقيقية، وجنّةً تمشي على الأرض. نقلت القصة بتصرف من موقع(farid_alshahwarzi.
من هنا طفا سؤال على السطح : هل كل ما نسمعه حقيقة؟ وهل كل ما نتوقعه يحدث؟ وهل من الحكمة إسقاط تجارب الآخرين على حياتنا؟
أحسب أنكم سمعتم كما سمعت عن تلك القصص التي تداولتها ألسن الأجيال عن زوجة الأب الشريرة؛ تلك الفكرة النمطية القديمة التي تعوّد الناس على تصديقها وتكرارها، لكنني حقيقة رأيت في واقع حياتنا الإجتماعية ما يخالف ذلك البتة، فهناك حقائق شُوّهت بسبق التوقعات، وأحكام قُولبت من قِبل المجتمع، لكن علينا أن ندرك أن التوقعات ما هي إلا ظنون بشرية، وأننا نميل لما نسمعه إذا كان يوافق هوانا، وهذا ما يوقعنا في فخ التوقعات الخاطئة وسوء الظن، وقد ذمَّ ديننا الحنيف اتباع الظن؛ لأنه لا يغني من الحق شيئاً، وحثنا في المقابل على التفاؤل وتوقع الخير دائماً، وربط ذلك بقضاء الله وقدره حتى وإن جرت المقادير بخلاف ما نتمنى ونرجو.
ولو تأملنا قليلاً، لوجدنا فرق شاسع بين ما نتوقعه وبين ما نعيشه واقعاً، ولا يتجلى صدق هذا إلا من خلال التجربة؛ فالتجربة تمنحنا الشجاعة لمواجهة الواقع كما هو، وتكشف لنا أن ما يناسبنا قد لا يناسب غيرنا، وما هو هينٌ علينا قد يكون صعباً عليهم؛ لأن لكل إنسان طاقته وقدرة معينة على التحمل؛ كالشخص الذي يمر بصدمات سابقة قد يرى في مشكلة صغيرة القشة التي قصمت ظهره، بينما يراها الآخر مجرد عثرة عابرة سهلةالمرور. كذلك هي تعلمنا فن التروي كي لا نحكم مسبقاً، وندرك أن الأشخاص ليسوا نسخاً مكررة وإن لكل منهم بصمته الخاصة، وأن التعميم غالباً ما يكون خطئًا فنجد أن كثيراً ما تطلق الشعوب أحكاماً عامة على جنسية معينة بأنهم بخلاء أو غير مخلصين بناءًا على قصص تسمع، لكن عندما تعمل مع شخص من تلك الجنسية أو تسكن بجواره، تكتشف أن التعميم كان خطأً فادحاً. وكذلك تعلمنا أن هناك فرقاً بين أن نسمع عن الشيء أو نقرأ عنه وبين أن نجربه؛ فقد سمعنا عن النار أنها تحرق لكن بالتجربة لمسنا حرارتها، فالتجربة هي الجسر الذي ينقلنا من الظن إلى اليقين، ولا ينبغي لتجارب الآخرين أو مواقفنا الماضية أن تجعلنا نضع الناس في قوالب ثابتة؛ وإذا تساءلت لماذا؟ لأننا أمام أشخاص يختلفون في طباعهم؛ فهناك من هو كالنار المؤقدة، انفعالاته تسبق تفكيره، وهناك من هو متأني، هادئ يقابل الإساءة بالترفع، وزمن يتغير بظروفه؛ فالظروف التي ساعدتك بالأمس قد لا تكون موجودة اليوم،وتفاصيل تتفاوت في دقتها، ونتائج مختلفة عما كنا نتوقع.
أتعلم أيها القارىء، أن التجربة هي من تجعلنا نصبح أكثر وعياً؛ لأنها تعطينا مساحة كافية لنتعرف على نقاط ضعفنا التي كُنا ننكرها، ونقاط قوتنا التي لم نكن نعلم بها.. وأقل حكماً؛ لأننا أدركنا أن الناس ليسوا مثاليين فنمنحهم حق الخطأ الذي نتمنى أن يمنحنا إياه الآخرون عندما تتعثر..وأكبر قدرة على إدارة حياتنا؛ لأنها تجعلك تملك زمام نفسك فتعرف متى تمشي خلف عقلك ومتى تتبع عواطفك، ومتى تتوقف عن استنزافها في أماكن لا تقدرك، أو حتى في طموحات لا تشبهك، ومتى تمنح أهتمامك ومتى تتجاهل ما لا ينفعك، لتبقى دائماً في الطريق الذي اخترته أنت.
وأخيرًا: يقول الإمام علي رضي الله عنه:”العاقل من وعظته التجارب.” فإذا أردنا أن نعرف الحقائق فلابد من خوض غمارها؛ فقد نحفظ آلاف الكتب في الفقه والعقيدة، لكننا لن نذوق حقيقة القرب من الله إلا في سجدةٍ طويلة بجوف الليل والناس نيام، كما إنه يمكننا أن نكتب مقالات عن الوفاء بين الأصدقاء، لكننا لن نعرف معنى السند إلا حين نسقط في عثرة، فنجد تلك اليد تمتد إلينا فتشعرنا بدفء الحضور، وقد نشاهد تلك الأفلام التي تتحدث عن غدر الأصحاب، لكننا لن نفهم معنى الخذلان إلا حين تأتينا الطعنة من مكان كنا نظنه أماناً بالنسبة لنا..وبعد هذا كله، إلا تتفق معي أن (التجربة خير برهان)؟





