بقلم: محمد بن علي بن سالم الشعيلي
لطالما تأملتُ في ذلك الصراع القديم بين العقل والإيمان، بين أولئك الذين يجعلون العقل المادي المحدود ميزانًا مطلقًا للحقيقة، وبين المؤمن الذي يدرك أن العقل — رغم عظمته — يبقى قاصرًا عن الإحاطة بكل شيء.
إن الذين يدّعون العقلانية المطلقة، ويرون أن بعض ما ورد في القرآن مجرد قصص أو رموز لأن عقولهم لا تستوعبها، يقعون — من حيث لا يشعرون — في تناقض فلسفي عميق؛ فهم يؤمنون بالعقل إلى درجة تجعلهم ينكرون كل ما يتجاوز حدوده، وكأن العقل البشري المحدود قادر على إدراك كل أسرار الكون والغيب.
أما أنا، كمسلم، فأؤمن إيمانًا جازمًا بأن كل ما ورد في القرآن حق مطلق، سواء أدركه عقلي أم عجز عن إدراكه، لأنني أؤمن أن الذي خلق العقل أعلم بحدود العقل، وأن الوحي ليس خاضعًا لإدراك الإنسان، بل الإنسان هو الذي يحاول الاقتراب من فهم الوحي بما أوتي من علم.
ومع ذلك، فأنا لا أرى أي تعارض بين الدين والفلسفة، بل أرى أن الإسلام ذاته شرعن التفكر، ودعا إلى إعمال العقل، وحث الإنسان على التأمل في الكون والحياة والوجود.
قال تعالى:
﴿أفلا يتفكرون﴾ ﴿أفلا يتدبرون﴾ ﴿أفلا يعقلون﴾
هذه الآيات ليست دعوة إلى الجمود، بل إعلانٌ صريح بأن العقل وسيلة لفهم الحكمة الإلهية، لا أداة لإنكارها، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول العقل إلى سلطة تتجاوز حدودها، فتحاول إخضاع الغيب لقوانين المادة وحدها، فالفلسفة الحقيقية لا تعني التمرد على الدين، بل تعني إدراك أن هناك مساحة يقف عندها العقل عاجزًا أمام الغيب.
لقد تحدث الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط عن حدود العقل، وأقرّ بأن هناك حقائق لا يستطيع العقل المجرد الإحاطة بها. بينما قال الفيلسوف الفرنسي باسكال: “للقلب منطق لا يعرفه العقل.”، أما الفلاسفة المسلمون، كالفارابي وابن سينا وابن رشد، فقد سعوا إلى التوفيق بين الحكمة والشريعة، ورأوا أن العقل الصحيح لا يمكن أن يتناقض مع النقل الصحيح، وحتى الإمام الغزالي، الذي انتقد بعض الفلاسفة، لم يرفض العقل، بل رفض أن يتحول إلى حاكم مطلق على الوحي والغيب.
ومن أعظم الأمثلة التي أستدل بها على شرعنة الفلسفة المؤمنة قضية “السببية”.
إن العقل يقول: إذا وضعتَ ورقة في النار فإنها ستحترق، وهذا أمر منطقي وفق السنن الكونية المعتادة، ولو أخبرتَ شخصًا بأنها لن تحترق لاتهمك بالكذب، لأنه يرى الفعل والسبب والنتيجة بعين العقل المجرد، لكنني أؤمن بأن النار لا تحرق بذاتها استقلالًا، وإنما تحرق بإذن الله الذي خلق النار وخلق خاصية الإحراق فيها، فإذا شاء سبحانه أن تسلب النار خاصيتها، فإنها تفقد أثرها مهما بلغت شدتها.
والدليل الأعظم على ذلك ما حدث مع سيدنا إبراهيم عليه السلام، حين ألقي في نار عظيمة، فقال الله تعالى:
﴿يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾ فلم تحرقه النار، لأن رب النار وخالق السبب والمسبب شاء ألّا تحرق إبراهيم.
ومن هنا أفهم الفلسفة من منظور إيماني؛ فلسفة تؤمن بأن الأسباب موجودة، لكن سلطان الله فوق الأسباب جميعًا، ولهذا فأنا أؤمن جملةً وتفصيلًا بكل ما ورد في القرآن الكريم، سواء استوعبه عقلي القاصر أم لم يستوعبه، أؤمن بأن البحر انشق لموسى عليه السلام، لأن الذي خلق البحر قادر على أن يغيّر قوانينه، وأؤمن بأن مريم العذراء أنجبت عيسى عليه السلام من غير أن يمسها بشر، لأن خالق الأسباب لا تحدّه الأسباب، وأؤمن بكثير من الغيبيات التي قد يعجز العقل البشري عن تفسيرها، لأنني أؤمن أن الله كان قبل خلق الأسباب، وسيبقى بعد فناء الأسباب.
إن الإيمان الحقيقي لا يعني إلغاء العقل، بل يعني تحريره من وهم الكمال. فالعقل العظيم ليس هو العقل الذي ينكر كل ما لا يفهمه، بل العقل الذي يدرك أن الحقيقة أوسع من حدود إدراكه.
وفي النهاية، أرى أن الفلسفة حين تتواضع أمام الوحي تصبح حكمة، وحين تتكبر عليه تتحول إلى جدل عقيم.
فالإنسان مهما بلغ علمه يبقى محدودًا، ويبقى القرآن عند المؤمن حقيقة مطلقة؛ لأنه كلام من خَلَقَ العقل والكون والزمن والوجود كله.






