العمل عن بُعد في المؤسسات: من مزاجية التنفيذ إلى تأسيس التزام وطني وثقافة مؤسسية مستدامة


بقلم: د. رجب بن علي العويسي

في مسار الجاهزية الوطنية، يمثّل نظام العمل عن بُعد أحد الأنظمة الداعمة لكفاءة الأداء المؤسسي؛ إذ لم يعد مجرد إجراء إداري أو تنظيمي مرتبط بظروف معينة أو حالات خاصة، مثل الازدحام المروري، وزيادة النمو السكاني في مسقط في السنوات الأخيرة، والتوقعات بأن تستمر هذه الزيادة بوتيرة متسارعة في العشرين سنة القادمة (عُمان ٢٠٤٠)، وما تشير إليه الإحصاءات من أن الارتفاع في استخدام المركبات الخاصة بلغ ٩٧%، والذي ارتبط بالثقافة المجتمعية والنظرة إلى المركبة الخاصة باعتبارها نوعًا من الرفاه الاجتماعي، ناهيك عن محدودية بدائل وسائل النقل العام ومستوى كفاءتها وكفايتها في توفير بيئة نقل محاكية للخصوصية المتحققة في المركبات الخاصة، أو كذلك تطبيقه في المواسم مثل شهر رمضان أو الأزمات والجوائح، بل أصبح مسارًا أصيلًا يسهم في بناء ثقافة مؤسسية راسخة، ويعزز سلوكًا وظيفيًا قادرًا على التكيف مع معطيات الواقع، والاستجابة لمفهوم متقدم للجاهزية المؤسسية في إدارة المخاطر والتعامل مع المتغيرات واستشراف المستقبل. حيث يتناغم هذا النظام مع متطلبات مرحلة ما بعد إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، ويسهم في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان ٢٠٤٠، وما ترتكز عليه من مبادئ الحوكمة، والإنتاجية، والتمكين، والكفاءة، وقياس الأداء، والنزاهة.
ومن هنا تتجلى أهمية تطبيق نظام العمل عن بُعد وغيره من الأنظمة الحديثة، ضمن إطار وطني واضح يضمن استدامة تطبيقه وفق آليات تنظيمية محددة، بما تحمله من فرص نوعية تعزز الوعي المؤسسي والصورة الإيجابية في مسار الإصلاح الإداري، وما تتركه من أثر ملموس في تطوير ثقافة المؤسسة وسلوك الموظف؛ فهي في الوقت نفسه التزام وطني وأخلاقي ومؤسسي يعزز الحوكمة والمرونة في بيئة العمل، ويؤكد قيم المهنية والانتماء، ويعزز فرص الابتكار والتجديد في أنظمة العمل التي ترفع من كفاءة المسار الوظيفي، وتزيد من إنتاجية الموظف. بل إن تجريب هذه الأنظمة وتقييمها بصورة منهجية له أهميته الكبرى في تعزيز نجاح قانون الوظيفة العامة وقدرته على استيعاب المتغيرات والمستجدات، واستلهام أدوات التحول المؤسسي والرقمي الحاصلة، وهو بلا شك الطريق لتكوين صورة واقعية دقيقة عنها، سعيًا لتثبيتها أو تطويرها مستقبلًا بناءً على نتائج عملية ومسوحات واقعية وقياس للرأي، وليس التكهنات والفرضيات غير المؤطرة.
وعليه، فإن الوصول بنظام العمل عن بُعد إلى حيز التنفيذ وتحقيق النتائج المترتبة عليه يؤسس اليوم لمرحلة متقدمة من التشاركية والالتزام والعمل الوطني المسؤول، الذي تتجسد فيه قيمة الحوار وبناء المنصات التفاعلية بشأنه، وتشخيص الحالة المؤسسية واقترابها من فكرة التطبيق والفرص والتحديات، آخذًا في الاعتبار الاستفادة من تجارب بعض المؤسسات الخاصة بشكل يراعي كل المعطيات والجهود المبذولة في التعامل مع التحديات، والتي كان لها انعكاساتها على سلوك الموظف وقناعاته وكتلة المشاعر التي يحملها في ذاته. فإن توحيد التوجهات المؤسسية في تطبيق نظام العمل عن بُعد يسهم في تعزيز الثقة وترسيخ مبادئ العدالة والموضوعية، ويدعم مستويات الالتزام والانتماء الوظيفي، ويعزز الشعور بالأمان الوظيفي والرضا المهني. كما أن هذا الاتساق يرسّخ صورة إيجابية عن هذه الأنظمة، ويؤكد دورها في تحقيق الغايات الوطنية الكبرى، ويعكس نضج التجربة المؤسسية في تبني أفضل الممارسات.

وانطلاقًا من الغايات الوطنية في إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، بما فتحته من خيارات واسعة للإصلاح الإداري والتنظيم الكفؤ القائم على كفاءة التشريعات ومرونة الأدوات وثبات الإجراءات وانضباط الأطر ووضوح المسارات ونهضة الوعي، وما قدمته من حلول نوعية واستراتيجيات في الأداء الرشيد، فإن العمل عن بُعد سيعمل كداعم إيجابي في مسيرة الإصلاح في قادم الوقت، ليس على أداء الموظف فحسب، بل على الثقافة المؤسسية عامة، والقناعات المتولدة لدى المجتمع الوظيفي ومطالباته المتكررة بأهمية إدخال أفضل الممارسات والتوجهات العالمية في رسم ملامح إعادة الهيكلة في منظومة الجهاز الإداري للدولة، وهو الأمر الذي نتوقع أنه أصبح حاضرًا في اهتمام الحكومة بتعزيز الابتكار في منظومات ومؤسسات الجهاز الإداري للدولة، وسعيها المتواصل نحو توسيع نطاق الشراكة المسؤولة بين المواطنين والمؤسسات، والتي تشكل هذه الأنظمة والمبادرات أحد محاورها، ووضعها موضع التنفيذ الشامل من قبل مختلف المؤسسات المدنية بلا استثناء، بما يتيح الفرصة التشاركية في تقييم مخرجاتها في بيئات العمل المختلفة، وفهمًا أعمق للظروف التي تتشكل خلالها، ويؤسس لمرحلة أكثر نضجًا في تجسيد مسار الإصلاح الإداري عبر نماذج عملية وأنظمة عمل ترفع من سقف الجاهزية الوطنية المستدامة.

أخيرًا، يضع نظام العمل عن بُعد منظومات الدولة ومؤسساتها أمام واقع جديد ونمط تنظيمي وإداري معاصر يحمل الكثير من الفرص في بناء مجتمع وظيفي يتحمل مسؤولية الوظيفة خارج بيئة العمل الرسمية، وإيجاد بيئات محاكاة تقوم بالدور نفسه مع تهيئة الأسباب الداعمة له. فإن الفرص والمحفزات المتعلقة بهذا النوع من أنظمة العمل أكبر من اختصارها في محددات، نظرًا للقيمة المضافة المتحققة منه، سواء على الموظف نفسه وإنتاجيته والتزامه وولائه المؤسسي وانتمائه المهني واستشعار المسؤولية والأمانة الوظيفية في كل مواقع العمل والمسؤولية دون اقتصارها على مكان محدد فقط، ناهيك عن أثره على المؤسسة وتعظيم قدرتها في خلق حراك وظيفي يصنع الفارق في السلوك الوظيفي العام، مع ما يوفره ذلك من بيئة عمل منافسة تحقق الإلهام وتعظم من حضور قواعد السلوك المؤسسي ومبادئ الالتزام والعمل المستمر خارج حدود المؤسسات في قناعات وأفكار وثقافة عمل الموظف.