التماسك الأسري في زمن التحولات بين الضغوط المادية وتراجع القيم

بقلم: د. رجب بن بدر العويسي

اقف البسيطة حالة من الشد والجذب وتعكس حالة القسوة والضيق الذي تعيشه بعض النفوس وحجم التراكمات التي بات يحملها الإنسان في قاموسه اليومي، بل قد يبدو بأن الكثير من الناس أدخل بالظروف الاقتصادية والمالية والاحتياجات اليومية وعدم القدرة على الوفاء بها في زيادة الشحن الأسري والغليان الغير مبرر. وإن مما بات يندى له الجبين وينفطر له القلب ويتنبه له إنسان هذا الوطن المعروف بسماحته وسمته وتعايشه والإنسانية التي يحملها والسلام الداخلي الذي يؤمن به مع ذاته والآخر، أن باتت تصل هذه التفاهات- إن صحت تسميتها - إلى المحاكم والمؤسسات القضائية والقانونية والأمنية والادعاء العام، فأصبحت العلاقات تعاني من الترهل الفكري والنمطية في الأسلوب وهشاشة أدوات الردع والتصحيح وزيادة مساحات التنافر وقلة القائمين على الإصلاح أو سهولة الانسحاب لدى أكثرهم نتيجة مرارة التجربة وعدم الاستعداد في استئناف دور الإصلاح والتوجيه وإصلاح ذات البين وجمع الناس على كلمة سواء، فالكل مشغول بنفسه، ومن يعنيهم أمر العلاقات الاجتماعية وأصحاب المسؤولية والوجاهة الاجتماعية لديهم ما يشغلهم عن أحداث المجتمع، أو القيام بدواعي الإصلاح وجمع الكلمة، فالأسهل له أن يرمي القضية إلى المؤسسات المعنية، لتتجه إلى لجان التوفيق والمصالحة أو المحاكم والادعاء العام. لقد ابتعدت العلاقات الاجتماعية في أكثر المواقف والظروف عن الهدف، وتجاوزت المسار، وارتطمت بمطبات جديدة ما كانت في الحسبان؛ أثرت سلبا على الثقة والتقدير والاحترام والشعور الجمعي وغياب المشاعر واتساع نزغة الأنا والمصالح الشخصية، لقد أنتجت حالة من التصادم في المواقف، واتسعت قطيعة التواصل، وانحسرت قيمة الزيارات والاطمئنان بحة عدم وجود الوقت وكثرة الانشغالات، فأنتجت حالة من التقزّم في السلوك والحساسية المفرطة في التفسيرات والتأويلات، وتعمقت الاشاعة، وارتفعت نبرة الصراخ وعلو الصوت، والجفاء في التعامل، والصد والهجران في العلاقات، وتغييب الشعور بالإنسانية ووأد العاطفة، وقساوة القلوب، وسوء التصرفات التي تزيد من الاصطياد في الماء العكر والاستفزاز، وما حالات الحسد والانتقام السلبي التي باتت تنتشر بين أبناء الاسرة الواحدة سوى غيض من فيض، وقليل من كثير لتتجه المسألة إلى الاستعانة بالدجالين والمشعوذين في الإساءة والتطبيب ومنع الذرية وغيرها من الوساوس الشيطانية التي باتت حاضرة في عرين بعض الاسر والعياذ بالله. ولعل المتابع لما يدور في أروقة المحاكم والادعاء العام والمؤسسات الشرطية من قضايا الاسر والعائلات، والمؤشرات التي تحملها هذه الأحداث على شكل جرائم وجنح ما يدق ناقوس الخطر، ويصيب الغيور المخلص لوطنه ولأمته بالذهول والقلق، فإلى أين تتجه الممارسات في ظل تزايد هشاشة العلاقات، وتراكم المواقف والحالات المسيئة للأخلاق والقيم والمبادئ والهوية والسمت ؟، وأين مما أسسه السلف الصالح أبناء هذا الوطن في بنائهم الاجتماعي وارتباطهم العائلي وتسامحهم الفكري والأخلاقي، حتى كانت الحارات الضيقة والغرف القليلة التي تسكنها عوائل وأسر يربطها جد واحد أو جدة واحدة نموذجا للحب والاحتواء واللطف والاحتماء، فأنتجوا معايير القوة واسسوا منهج السلام وبنَو منصات الحوار. ويبقى التساؤل كيف يمكن أن نحقق القوة في العلاقات الاجتماعية في وقت أحوج ما يكون فيه مجتمعنا لنمو هذه العلاقات وسموها فوق كل الخلافات، وابعادها عن كل أشكال الكراهية، وتوجيهها لصالح البناء المجتمعي بما يضمن تحقق سلاما داخليا قادرا على إزالة كل المشوهات ومعكرات المزاج وحالة الارتجاف والجفاف والجفاء الأسري، وتوجيه هذا السلام الروحي والتصالح مع الآخر لصالح قدرة المجتمع وكفاءته في مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية، ونفوق القيم والاخلاقيات. أخيرا يبقى تحقق هذا التماسك الأسري، مرهون بإعادة انتاج الواقع الاجتماعي والاسري بكل مدخلاته وعملياته للوصول إلى مخرجات ونواتج تصنع القوة في العلاقات الاجتماعية، وتأطيرها وفق منهج الدين ومنهج القرآن الكريم وسنة سيد الخلق أجمعين في الحقوق والواجبات والمسؤوليات، ومأ اصلته في مفهوم الخيرية والسلام والبر والإحسان والمودة والرحمة، وأكدته من قيم التعارف والتكافل والتناغم والتعاضد بين أبناء المجتمع الواحد؛ محطات تستدعي تصحيح مسار الحوار وتعظيم الخطاب الديني التفاعلي واستنطاق القيم لتعيد جماليات الصورة في سرب العائلة واحتواء الأسرة وبناء قدسية الحياة في ظلال الاحترام والود والرحمة والصفح والعفو.