بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعية
استوقفني مقطع يفيض نبلًا، لامرأة كللها الوقار تجاوزت من العمر الثمانين، تنزل درجات العمارة ممسكة بالدرابزين، يستقبلها في نهايته مذيع ليعطيها مبلغ من المال، فقالت كلماتها البسيطة: أنا معاشي التقاعدي حلو، يفيض بركة، ونعم الله تغرقني، وطبطبت بيدها على قلبها وقالت له بعينين يملأهما الامتنان: شكرًا، شكرًا، وأردفت بقولها: هناك فقراء، يا ابني أذهب بهذا المال، فهناك من هو أحوج مني، وأنا راضية بمقسوم ربنا، وأمام إصرار المذيع، ظلت كلمتها الأخيرة هي الفيصل والميزان: أعطِها لغيري، هناك فقراء كُثر، أعطِها لغيري.. وأنا أشاهد هذا المقطع شعرت بالدهشة عند رؤية هذه الموقف؛ لأننا نعيش في عصر الأنا، حيث الجميع يركض خلف المزيد، وورد لحظتها إلى مخيلتي حادثة تشبها وشعرت أنه ما زال هنالك أشخاصًا مثل أولئك الذين في ذلك الزمن فقد قال ابن عمر رضي الله عنه: أهدي لرجل مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة، فقال: إن أخي فلانًا وعياله أحوج إلى هذا منا. فبعث به إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول، فنزل فيهم قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: ٩].
هل نحنُ مثل هؤلاء؟
إن مثل هؤلاء هم من يقدمون مبادرات في بعض الوظائف، كذلك الشخص الكبير في السن الذي ينسحب لصالح شاب في مقتبل العمر، قائلًا: أنا رزقي قد أخذته في شبابي، وهذا الشاب يحتاج لبناء مستقبله أكثر مني. أو ذلك الموظف الذي لديه إجازة سنوية كان ينتظرها للسفر، والراحة، والترفيه عن النفس، ويكتشف أن زميله في العمل يحتاج إلى إجازة في نفس التوقيت لظرف عائلي طارئ أو مرض أحد أقاربه، فيتنازل عن إجازته له، ويستمر في العمل ليغطي غياب زميله. أو من يطبخ طعامًا، وقبل أن يضعه لأبنائه، يرسل جزءاً منه لجاره الذي يمر بضائقة.
أتعلم ماذا يقول أبو سليمان الداراني؟
لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له، وقال أيضًا: إني لألقم اللقمة أخًا من إخواني فأجد طعمها في حلقي.
ولكن قد يتطرق إلى ذهن البعض أن يكون الإيثار بالمال فقط فهل هذا صحيح؟ بالتأكيد لا، فأنت عندما تقطع من وقتك لتسمع هموم غيرك إيثار، وأن تبتسم في وجه عبست له الحياة وتربت عليه مع أن قلبك تحف به الهموم إيثار، وأن تنظر للآخرين بعين المحبة وتتمنى لهم الخير كما تتمناه لنفسك إيثار .
أتعلم ما الإيثار ؟
إنه ترياق يمتص سموم الأثرة من الداخل ويحرر النفس من براثن الأنانية، فتؤثر غيرك بالرغم من حاجتك.
عزيزي القارىء، هناك أحداث تتكرر في عصور مختلفة وذلك لأن لدى هؤلاء أرواحًا تمتلك خصائص متشابه، فهم على يقين أن الله معهم وسيرزقهم أكثر مما يتوقعون، لديهم قلوب تحررت من الشح، فهان مافي اليد، علموا أن إشباع ذوي الحاجة هو إشباع لأنفسهم، ينظرون للمادة على أنها وسيلة وليست غاية وأنهم أسياد على ممتلكاتهم وليسوا عبادًا لها، يملكون أرواحًا تشعر أن سعادة الآخرين هو امتدادٌ لسعادتهم، يقول جبران خليل جبران: ليس السخاء بأن تعطيني ما أنا بحاجة إليه أكثر منك، بل السخاء بأن تعطيني ما أنت بحاجة إليه أكثر مني.
وأخيرًا: ما أجمل أن تكون من أصحاب أولئك النفوس التي تملك القليل لكنها تشعر بالثراء، وذلك لارتقاء الروح وانعتاقها من قيود الطمع، تأكد أن السعادة ليست في الأخذ بل تكمن في الاستغناء والعطاء، وأن الرزق ليس مالاً فقط، بل في نفس راضية، وأن الشيء الذي تعطيه اليوم هو الذي سيبقى لك في الغد، وكن على يقين أن ربنا سيعطيك ما لم تتوقعه ولم يكن في الحسبان. في عصر تطغى فيه الأنا يطارد الناس فيه مصالحهم، هل مستعد أن تكون من أولئك الذين {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ؟





