
الحطيئة… الشاعر الذي لم ينجُ من لسانه حتى وهو يهجو نفسه
قليلٌ هم الشعراء الذين خافهم الناس أكثر مما أحبّوهم، وكان الحُطيئة (جرول بن أوس العبسي) واحدًا من هؤلاء. لم يكن سيفه في يده، بل في لسانه، وكان هجاؤه يُعدّ عند العرب أشدَّ من وقع الرماح، عاش الحطيئة حياةً قاسية؛ فقيرًا، دميم الخِلقة، ناقمًا على المجتمع، فحوّل غضبه كله إلى شعرٍ لاذع لا يرحم أحدًا.
بلغت غرابة الحطيئة حدًّا لم يبلغه شاعرٌ قبله؛ إذ هجا نفسه وأباه وأمّه، وكأن لسانه لا يعرف التوقّف، قال في نفسه ساخرًا من شكله ومكانته:
أرى لي وجهًا قَبَّحَ اللهُ خَلقَهُ
فَقُبِّحَ من وجهٍ وقُبِّحَ حامِلُه
ولم يسلم أقرب الناس إليه من هجائه، فقد قال في أمه بيتًا صار مضربًا للمثل في القسوة، حتى قيل: «لو سمعته الأم لانكسرت روحها.»
بهذا اللسان الجارح، صنع الحطيئة حول نفسه دائرة من العداوات، لكنه في الوقت ذاته فرض رهبةً جعلت الناس تخشاه وتدفع له المال اتقاءً لهجائه.
لكن نهايته جاءت حين تجاوز كل الحدود، فهجا الزبرقان بن بدر، أحد سادات بني تميم، فرفع الزبرقان شكواه إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نظر عمر في شعره، ورأى فيه إيذاءً صريحًا، فأمر بسجن الحطيئة، في سابقة لم يعرفها الشعراء من قبل.
في السجن، ذاق الحطيئة لأول مرة مرارة الكلمة التي طالما أذاقها لغيره، وهناك، كتب أبياته الشهيرة يستعطف بها عمر، ويصوّر حال أطفاله الجياع:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مَرَخٍ
زُغبِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ
رقّ قلب عمر، فأطلق سراحه، لكن بشرطٍ صار قاعدة: ألا يهجو مسلمًا بعد اليوم.
خرج الحطيئة من السجن شاعرًا آخر؛ أقلَّ حدّة، أكثر حذرًا، لكنه ظلّ مثالًا حيًّا لقوة الكلمة وخطورتها.
لقد أثبت الحطيئة أن الشعر قد يرفع صاحبه… وقد يقيّده بالسلاسل.




