بقلم: أمل منصور المسرورية
تعودتُ كلَّ صباحٍ أن أمُرَّ ببعضِ تجمعاتِ المعلماتِ، فآخذُ شيئًا من الخبزِ لأغمصه في العدسِ أو الفول وأنا أشاركهن الحديثَ عن صباحاتِ ذاك اليومِ، أو قطعةً من الخيار أو الخس فأمضغها باسترخاءٍ وأنا استمعُ إليهن، أرتشفُ كوبًا من الشايِّ لحظة تأمُّلي لمواقفهنَّ، كنتُ أراهُ مرورًا عابرًا لا يُكلفني سوى دقائقَ ولم أضعُ فالحسبانِ أنه قيمةٌ أو حلٌّ لمشكلةٍ ما، لمْ أحسبْه ماءً أزاحَ شوائبًا علقت بأذهانِ صغارِ العقول، كنتُ يومًا أسهبُ بالكلامِ نفسه، وحينما تتباهى إحداهُنَّ بالردِّ الجافِّ وثقلِ العباراتِ التي تفوقُ الموقفَ نفسَه لتُثبتَ جدارتَها أمامَ زميلاتها يُحيِّيها الجميعُ بأنها تصلُحُ أن تكونَ مديرةَ مدرسة، لِتردَّ هي بالردِّ الذي أسمعهُ دائمًا لا عقلَ لدي إن فكرتُ بالإدارةِ، هذا الموقفُ بحدِّ ذاتِه أحدثَ تغييرًا جذريًا في مسيرتي الإداريةِ.
ففي بدايةِ وظيفتي كإدارية كنتُ أستاءُ كثيرًا من الردِّ بصمتٍ دون أن أُبدي انفعالًا ملحوظًا، قد كنتُ أُعزي نفسي لتركي تخصصَ اللغةِ العربيةِ ومكانتي العلمية، كيف سمحتُ لنفسي أنْ أُواجهَ سائقًا أو حارًسا أو أبًا بعقليةٍ رديئةٍ همُّه الحياةَ العاديةَ التي تبدأُ صباحًا وجُلَّ تفكيرِها متى سننامُ ليلًا، فيباتُ الشعورُ غائرًا في نفسي إلى أن يأتيَ اليومُ الذي يليه فتُمحيه ابتسامةٌ من طفلةٍ ترنو نظراتِها لقطعةِ حلوى أحملُها في يدي تعزيزًا لمن ألقى القمامةَ في سلةِ المهملاتِ، ولكنَّ اليومَ اختلفتْ ردةُ فعلِ الشعورِ من عبارةِ لا عقلَ لديَّ إنْ كنتُ أعملُ في الإدارةِ لتكون ردةَ الفعلِ هذه المرةِ باردةً يصحبُها ابتسامةٌ خفيةٌ مفادُها الخيرةَ فيما اختارهُ اللهُ، ولولا التيسيرُ من اللهِ بالإمكانياتِ والقدراتِ المؤهلةِ من تجاربِ الحياةِ لما حانت الفرصةُ اليسيرةُ لحملِ هذه المسؤوليةِ، ما كنتُ أستقلُهُ بالأمسِ وأراهُ عِبئًا عليَّ، أصبحَ اليومَ متعةً تسري في أوصالي حينما تتقدَّمُ الجماعاتُ بفضلِ إصراري لتحقيقِ الإصلاح.




