وهم الاستقرار

بقلم: سليمان بن حمد العامري

كثيرٌ منا يوقف أحلامه وسعيه وانبعاثه بحجة واحدة: لم أستقر بعد. لم أستقر ماليًا، لم أستقر دراسيًا، لم أستقر وظيفيًا… نُجمل تخبطنا وتسويفنا بهذه العبارة، ونتعلل بها في كل مرة. لكننا في الحقيقة لا نسعى لتحقيق الاستقرار، بل ننتظر أن يأتي إلينا، وكأنه قدرٌ سيهبط من السماء دون جهد، كأننا لا ندرك أن الرزق لا يُحسب على القدر، وإنما يُحصل بالأسباب والسعي.

تمضي الساعات، ثم الأيام، ثم السنين، ونحن نعيش في وهم اسمه الاستقرار. فهل حقًا هناك استقرارٌ في هذه الدنيا؟ أم أن الحياة بطبيعتها حركةٌ واضطراب، وأن الاستقرار الحقيقي هو طمأنينة القلب وسط التغير؟

لنعد إلى أصل هذه الكلمة، كيف عشنا وهمها، وكيف تسللت إلى عقولنا، فقد غسلت الحقيقةُ عقولنا بوعدها حتى صدقناها،
وعشناها وكأنها الغاية الكبرى من الوجود. حتى أصبح الإنسان أسيرًا لها، لا يبني حلمًا حتى يستقر وضعه المالي، فازداد العبء عبئًا، وتراكمت الانتظارات، وزاد عدد الباحثين عن وظائف، وسُرّح الموظف بلا ذنبٍ يُذنبه،
وشحت الفرص، وتكدست الأحلام على رفوف الانتظار.

لقد جعلونا نؤمن أن الاستقرار شرطٌ للحياة،
بينما الحقيقة أن الحياة لا تنتظر المستقرين، بل يصنعها الساعون رغم اضطرابهم.

فاعلم أيها القارئ أن الاستقرار ليس بما يُوعدونك به. فالاستقرار ليس سكون الجسد، بل سكون القلب في مواجهة التغير، وليس ثبات المكان، بل ثبات الإيمان. الاستقرار الحقيقي هو رضا القلب والنفس وقربك من الله، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}[طه: ١٢٤].