القيادة في زمن الذكاء الاصطناعي وعواصف الـ(VUCA)

بقلم: د. طالب بن خليفة الهطالي

في عالم مضطرب الملامح، لم تعد القيادة وسامًا يعلَّق على الصدور ولا بريقًا يصطنع للعيون، بل غدت جوهرًا يختبر تحت ضغط الواقع ويصاغ في أتون التجربة إنها امتزاج بين جذوة فطرية يولد بها الإنسان، ومكابدة طويلة تنضج المعدن حتى يصفو، واليوم يجد القائد نفسه بين حدين متقابلين، بحر هائج سمّاه الاستراتيجيون (VUCA)، تقلبات عاصفة وضباب من لا يقين وتشابك يعقد المسالك، وعقل اصطناعي خارق يفيض بالتحليلات حتى يكاد يغشي البصيرة، وبين الموج والآلة تتشكل ملامح القيادة الجديدة؛ لا كزينة تستهلك ولا كقوة صماء، بل كرسالة تميّز الجوهر من القشور، وتحوِّل العاصفة إلى مدرسة والأداة إلى معين لا سيّد.

إن القيادة ليست وراثة تحمل كما يحمل لونُ العينين ولا صناعة آلية تخرج من خطوط الإنتاج كما تخرج الأدوات المعدنية؛ إنها توازن دقيق بين شرارة فطرية يولد بها الإنسان وصقل متدرج تصنعه التجارب والاختبارات، إن الفطرة تمنح القائد الكاريزما الأولى تلك الجاذبية الغامضة التي تجعل الناس يلتفتون إليه حتى في صمت لكنها وحدها لا تكفي، فالبذرة الخصبة إذا أُلقيت في أرض بور اختنقت وإذا تركت بلا رعاية ذبلت، كذلك الموهبة القيادية تظل وعدًا معطلًا إن لم تجد بيئة ترعاها وتجارب تختبرها.

وقد قالت العرب في حكمة باقية “الرأي قبل شجاعة الشجعان، هو أول وهي المحل الثاني”، فالشجاعة بلا بصيرة اندفاع والرأي بلا فعل عقيم ولذا ربط القرآن بين الإمامة والصبر واليقين: ﴿وجعلناهم أئمّةً يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ ]السجدة: ٢٤[ هنا يظهر أن القيادة ليست امتيازًا يمنح بل امتحانًا يخاض ومسؤولية تحمل على الكاهل، وعلى هذا المعنى يؤكد جون ماكسويل، أحد أبرز خبراء القيادة المعاصرين “القادة يولدون ولكنهم أيضًا يصنعون” إنها معادلة الذهب خام في الأرض لا قيمة له حتى يدخل النار والمطرقة فيتحول إلى جوهرة تزين التاج.

دخل الذكاء الاصطناعي ميدان القيادة كضوء يكشف المخفي، لا كبديل عن القائد بل كمرآة صادقة ومدرب صبور يحلل الخطاب ولغة الجسد ليري القائد صورته كما يراها الآخرون فيحول الكاريزما الفطرية إلى مهارة واعية قابلة للتطوير. ولأن القيادة ليست إلهامًا عابرًا بل قرار يصنع مصائر يمنح الذكاء الاصطناعي القائد أفقًا معرفية أوسع يختصر له مئات الصفحات في دقائق ويرسم له خرائط معقدة للبيانات، فيرى الروابط التي قد تغيب عن عين الإنسان مهما بلغ ذكاؤه، لكنه في الوقت نفسه يفرض على القائد يقظة فكرية،.

قال كلاوس شواب مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي: ” نتائج الذكاء الاصطناعي ستعتمد على من يستخدمه هل هو قائد رؤيوي، أم مدير تقني بلا قيم”. ثم يأتي دوره كميدان محاكاة يصنع أزمات افتراضية ليتدرب القائد في بيئة آمنة، كما يتدرب الطيار على جهاز المحاكاة قبل أن يواجه سماء مضطربة وهكذا يتحقق قول توماس دافنبورت:”الذكاء الاصطناعي ليس ليحل محل القادة، بل ليحررهم من الروتين حتى يركزوا على القرارات التي تتطلب إنسانيتهم”.

إذا كان الذكاء الاصطناعي مرآةً تكشف للقائد ملامح صورته، فإن بيئة( VUCA) هي البحر الذي يلقيه في أعماقه ليمتحن صلابته، فهذا المصطلح الذي نشأ في أدبيات الجيش الأمريكي بعد الحرب الباردة أصبح اليوم مفتاحا لفهم عالم لا يرسو على حال؛ عالم تتقلب أحداثه كما تتقلب الأمواج العاتية، وتغشاه سحابات من عدم اليقين تحجب الرؤية مهما كثرت البيانات، وتتشابك فيه الخيوط السياسية والاقتصادية والتقنية في عقد يصعب حلها، بينما يكتنف الغموض قراراته فيجعل كل خطوة مغامرة في أرض مجهولة، وهنا يصدق قول جيم كولينز:” القادة العظام لا يتفوقون في الأوقات المستقرة، بل حين يضرب الاضطراب”، ويؤكد بوب جوهانسن”بيئة ( VUCA)لا تقتل القيادة بل تفرزها” وليس هذا غريبا على منطق التاريخ؛ فالأنبياء والرسل برزوا في أزمنة المحن لا أزمنة الرخاء، والفتوحات الكبرى ولدت من رحم الأزمات وقد لخّص المتنبي هذه الحقيقة ببيته الشهير:
على قدر أهلِ العزم تأتي العزائم ::: وتأتي على قدر الكرام المكارم

ليست كل أداة نعمة ولا كل معرفة فضيلة؛ فإذا أسيء استخدامها انقلبت عبئًا، وفي زمن الذكاء الاصطناعي وعواصف (VUCA) يواجه القائد خطرين: السطحية التي تنتج قرارًا هشًا بلا جذور، كما حذر فرنسيس بيكون”القراءة تصنع الإنسان الكامل”، وقال نجيب محفوظ “عقل بلا كتاب كجسم بلا روح”؛ والاتكال على الآلة الذي يسلب الإرادة ويحول القائد منفذًا للخوارزميات، وهو ما لخصه بيتر دراكر بقوله”الإدارة تفعل الأشياء بشكل صحيح القيادة تفعل الشيء الصحيح” وهكذا فالسطحية كمن يلامس ماء النبع دون أن يذوقه، والاعتماد الأعمى على الآلة كبوصلة بلا عينين؛ قد تهدي للاتجاه لكنها قد تردي في وادٍ خفي.

إذا كان الذكاء الاصطناعي مرآةً تكشف ملامح القائد، وكان بحر (VUCA)يمتحن قدرته على الصمود، فإن النجاة تكون بامتلاك أدوات تحول العاصفة إلى مدرسة والاضطراب إلى مختبر صقل، وهنا تتبدى القيادة الراشدة، مرونة تعدّل المسار مع الرياح، ورؤية تبنى على السيناريوهات والشورى كما قال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: ٣٨]، وبراعة تفكك التعقيد بالتبسيط والتفويض، وإرادة تكسر الغموض بالتجريب المتدرج حيث كل محاولة تبنى على الإتقان.

غير أن جميع هذه الأدوات تفقد معناها إذا غابت البوصلة القيمية؛ فهي المرساة التي تحفظ الاتجاه وسط بحر متلاطم، وتمنح القرار وزنه الأخلاقي حين تضل البوصلات الرقمية. ولعل قول يوسف عليه السلام ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ ]يوسف: ٥٥[، يلخص جوهر القيادة الحقة أمانة تصون وكفاءة تتقن، وهكذا تصبح المرونة والسيناريوهات والتفويض والتجريب والقيم ليست مجرد تقنيات إدارية، بل حبال نجاة وأشرعة خلاص تمكن القائد من أن يحول عواصف(VUCA)إلى قوة دفع ويجعل من الذكاء الاصطناعي معينًا لا سيدا ووسيلة صقل لا قيدا.

لم يعد القائد اليوم خطيبًا بليغًا أو مديرًا بارعًا في لغة الأرقام فحسب، بل إنسانًا معززًا تتداخل فيه الفطرة والتكوين، وتتضافر فيه التقنية مع التجربة، فالكاريزما تمنحه الثقة والتجربة تصقله بالمعرفة والانضباط والذكاء الاصطناعي يوسع أفقه بالتحليل والمحاكاة، فيما تمنحه بيئة VUCA صلابة القرار وسط الغموض، وتبقى القيم بوصلته التي تحفظ الاتجاه في دوامة الاحتمالات. ويصدق هنا قول بيتر دراكر” الإدارة تفعل الأشياء بشكل صحيح القيادة تفعل الشيء الصحيح” فالإدارة يمكن أن تدار بخوارزميات دقيقة، أما القيادة فهي فعل إنساني جوهري يحمل المعنى ويستند إلى البوصلة الأخلاقية والقائد العصري وإن استعان بتقنيات الذكاء الاصطناعي وأجهزة الملاحة يظل أشبه بربان سفينة في بحر عاصف؛ ما يحفظها ليس الحديد ولا الأداة، بل يده التي تمسك بالدفة وبوصلة داخلية لا يضل بها الاتجاه.

القيادة ليست تاجًا للمجد بل وزرا للمسؤولية ورسالة لحراسة المعنى في زمن يضج بالسرعة والضباب عظمة القائد أن يحول التقلب مرونة واللايقين بصيرة، والتعقيد انسجاما والغموض ابتكارا، وأن يجعل من الذكاء الاصطناعي معينًا لا سيدا، ومن التجربة مدرسة لا عبئا، فالقيادة اليوم تكليف يتجاوز الذات لا يعرف فيها القائد بكثرة الأتباع بل بعمق الأثر الذي يتركه وسط العواصف.