بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعية

هل سبق لك وتعرفت على ريبيكا شاروك؟
ريبيكا شاروك تبلغ من العمر ٢٦ عامًا، وهي من مدينة بريسبان بأستراليا، لا تملك ذاكرة عادية كغالبية الناس، بل تمتلك ذاكرة خارقة تتذكر ريبيكا شاروك بقولها أنها: “تتذكر يوم ولادتها، وأنها لم تكن قادرة على الكلام، تتذكر الأطباء الذين ولدوا أمها، تتذكر حتى خروجها من المستشفى مع أسرتها، وتتذكر عندما كان عمرها في الأسبوع الأول، وأنها ملفوفة ببطانية قطنية ذات لون زهري. كما أنها تتذكر أدق التفاصيل في المنزل.
هناك من يتذكر كل شيء بتفاصيله الدقيقة
هل هذا ما نتذكره نحن أيضًا؟ هل في داخل كل منا ذاكرة خارقة تختص بهذه التفاصيل؟ بالطبع لا. فنحن نجمع بين التذكر والنسيان، لكن ربيكيا كما يقال أنها تعاني من “الذاكرة الخارقة” وهي متلازمة” فرط التذكر” وتكمن خطورتها في أنها تمنع المصاب بها من نسيان اللحظات المحرجة والمؤلمة، ويتعرض للخوف والقلق المستمر، حتى أنه يصعب عليه الدخول في علاقات عاطفية لفرط تذكره.
ما بين نعمة النسيان والتذكر:
مثلًا كذلك الذي تعرض لحادث مروري ونجا بأعجوبة، مع مرور الوقت ينسى تفاصيل الحادث، فلو لم يحدث هذا النسيان لما عاد للقيادة مرة أخرى.
وإذا أختلف شخص مع أخيه أو صديقه وتمادى بجرح مشاعره، وترك ندبة تنافرت بها القلوب من غير النسيان سيجمعهم مرة أخرى.وعند فقدان شخص عزيز، يكون الألم موجعًا وشديدًا في البداية. لكن مع مرور الوقت، يبدأ النسيان بتخفيف حدة هذا الألم، وتصبح الذكريات الجميلة هي التي تسيطر بدلًا من الحزن. النسيان يسمح لنا بالتعافي والعودة إلى حياتنا الطبيعية.
ولكننا في المقابل كثيرًا ما نسعى حثيثًا لتذكر أين وضعنا مفتاح السيارة، أو من ذلك الذي أعرناه كتابًا ومضى علية فترة من الزمن ولم يعده لنا،أو صعوبة استرجاع كلمة سر لحساب قديم لم تستخدمه منذ سنوات، وتشعر أنك على وشك تذكرها لكنها لا تأتي أبدًا. لكن ومع هذا يجب علينا أن نعمل على تقوية ذاكرتنا لتزداد معرفتنا ولبناء هويتنا.ونستفيد من دروس الماضي وتجاربه، وفي الوقت نفسه، علينا أن نسمح للنسيان بأخذ مجراه الطبيعي، لأنه يحررنا من الأعباء النفسية والذكريات المؤلمة التي قد تمنعنا من المضي قدمًا في الحياة.
دعني أخبرك عن النسيان كحكمة إلهية، النسيان في جوهره، هو آلية حماية نفسية. إنه يمنح العقل القدرة على “إعادة ضبط الحياة مرة تلو الأخرى” وتجاوز الذكريات المؤلمة، والصدمات، والإحباطات التي لو بقيت حاضرة في كل لحظة، لأثقلت كاهل الإنسان ومنعته من الاستمرار. تخيل لو أن كل خيبة أمل، وكل لحظة حزن، وكل كلمة قاسية قيلت في حقك، بقيت حية في ذاكرتك؛ ستتحول الحياة إلى سجن من الألم.
يقول الإمام ابن القيم: “ومن أعجب النعم عليه نعمةُ النِّسيان؛ فإنه لولا النسيان لما سَلَا شيئًا، ولا انقضت له حسرة، ولا تعزَّى عن مصيبة، ولا مات له حُزن، ولا بطل له حقد”.
في رحاب الحياة، تتجلى حقيقة وجودنا كأوتار مشدودة بين قطبين متنافرين: الذاكرة التي تحتفظ بأثمن كنوزنا، والنسيان الذي يطوي الصفحات المؤلمة. فالذاكرة تمنحنا الأدوات لبناء مستقبلنا، والنسيان يمنحنا الحرية من قيود الماضي. الإنسان الحكيم لا يختار بين أن يتذكر كل شيء أو ينسى كل شيء. بل يتقن فن الموازنة بينهما، فيحتفظ بكنوز المعرفة والتجارب التي تبني شخصيته، بينما يلقي بأثقال الألم والإحباط التي تعيق مسيرته. هذا التناغم بين التذكر والنسيان هو سر النمو والتعافي، وهو ما يجعلنا نستمر في الحياة بقلب ينبض بالأمل وعقل يستوعب الحكمة.



