المنبر الإعلامي بين الرسالة والابتذال

الكاتب: جاسم بن خميس القطيطي

تتمثل أهداف الإعلام في تقديم الأخبار والمعلومات بدقّة وموضوعية، وتشكيل وعي الجمهور وفهمه للقضايا، وتبادل الآراء، بالإضافة إلى تعزيز القيم الاجتماعية والثقافية والترفيه عن الجمهور وصولًا إلى التأثير في الرأي العام وتحقيق أهدافٍ استراتيجية للمؤسسات والمجتمعات.

وفي هذا السياق تظلُّ تسمية «المنبر الإعلامي» تحمل شيئًا من النور وأثره في تلك البلدة أو الفريق الأهلي أو حتى ذلك النادي. ولا أودّ الدخول إلى معترك رواد وسائل التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى الذين يبتغون من وراء عملهم الحصول على المادة، وعنونة الإثارة، ورفع لافتة بخطٍ عريض؛ بل أود أن آخذكم إلى المنبر الإعلامي الذي يحمل رسالة توعية وسلام واجتهادًا يستلزم التنظير والتنظيم والضبط.

وتجد الكثير من تلك المنابر اجتهاداتٍ لا تصل إلى الواقع، لأنّها فقيرةٌ في مادتها وثقافتها وإدراكها. مجرد الدخول في فترةٍ من النشاط أو المعترك اليومي دون وجود ضماناتٍ يجعل من العمل أو المادة شيئًا بلا بريق.

هناك سباقٌ محموم وطوفانٌ من لفت الأنظار وسعيٌ للحصول على المادة؛ نعم، من الحقّ مشروعًا أن يحصل العامل على مقابلٍ لجهده، لكن ما يُدار في مساحات تلك المحافل والأنشطة يكشف عن اختراعاتٍ وتقنياتٍ تُستعمل في الإبهار فقط. وأصبح التأثير السحري من وراء ذلك العمل ليس في إبراز الجوانب الإيجابية أو إظهار العلم في صورته الزاهية، بل في الخوض مع الخائضين. وعندما نشاهد هذا الزحف، كلٌّ يعمل حسب وظيفته، وفي نهاية المطاف تكاد الرسالة الإعلامية تكون مفقودة؛ إذ تتسلّل إلى أفكار العاملين محاولةُ جسّ النبض، فتجده يتلعثم ولا يعرف شيئًا سوى كيفية مسك الكاميرا وطريقة المونتاج، ويمتهن المهنة من أجل العائد المادي.

أين المفهوم والرسالة الإعلامية من هذا الجيل الصاعد الذي يريد النجاح كما لو كانت «أكلة سريعة»، ولا يريد أن يتزود بالثقافة والسلامة المهنية في امتهان وظيفة الإعلام؟ تجد كثيرين يودّون أن يلعبوا دور البطولة وهم لا يستحقون حتى دور الكومبارس. والعيب أن حالاتٍ من أعمار مختلفة تجري وراء تلك المهنة، غافلة عن أهمية العمل التطوعي والإعداد الحقيقي؛ يريدون الوصول إلى الكمال بالحصول على المادة، لكنهم قبل ذلك يفتقدون أسس النجاح. ولا أخفي أنّه حتى في بعض المجموعات الإعلامية التي تهدف إلى تزويد المجتمع ومنتسبيها بالمعلومات، تظهر الخلافات وغياب ثقافة إدارة المجموعات على السطح، ما يزيد الإثارة ويغذي وقود النزاع، فيُعرض المحتوى والمنبر الإعلامي على رفّ الخلاف وعدم الاتفاق.

وقد تبحث الرسالة الإعلامية في ذلك المجتمع البسيط عن نفسها ولا تجدها، بفعل مقولةٍ «يعرف بما لا يهرف »؛ أي يصبح قائدٌ من أجل غايات الحصول على المادة، يعمل لها دون أن يتفنّن في الثقافة الإنسانية أو احترام أخلاقيات المهنة—إن وُجدت. وللأسف، ليست هذه المهنة للجميع؛ فالكثيرون يودّون الالتصاق بها وهم غير مخوّلين للقيام بها.

الإعلام بحرٌ واسع، ولا يزال المجتمع والبلدة لا يدركان مجاله. يحاول البعض الوصول إليه لاكتساب تلك المادة الزهيدة، والمتلقي أيضًا يكون فقيرًا من جوانبٍ عدة في استيعابها ومحاسبتها.

أتمنى في كل بلدة أن تُمارَس الأعمال التطوعية بلا رياء، وأن يُتجنّب الدخول عبر بوابة «الاصطياد العكر» من أجل كسب مادي يُطالَب به من فعالية تُقام في مسجد أو ملعب بالبلدة—فهذا أمر غير مباح. يجب أن تكون تلك الأعمال التطوعية داخل مساحات البلد أو النادي الأهلي عملاً يقود إلى بناء ثقافةٍ وإلمامٍ بالجانب الإعلامي. وتستطيع كلّ بلدة أن تنظّم مساحاتٍ وبرامجٍ للعمل على الذات خارج النطاق المحلي. ولكي تقوم الرسالة الإعلامية على «قافيةٍ واحدة» علينا أن نؤمن باكتساب الثقافة وفهم الرسالة الإعلامية ودورها.