إضاءات قانونيةحين يتكلم العدل بالقوة: متى يعد التدخل العسكري شرعيًا قانونيًا؟

بقلم: د. تهاني العبيدلي – دولة الكويت

لا شك أن التدخل العسكري في الشأن الداخلي لدولة ما يعد انتهاكًا لمبدأ سيادة الدولة على أراضيها ويعد من أخطر وسائل القوة التي تلجأ إليها الدول، فقوامه استخدام القوة المسلحة من قبل دولة أو عدة دول داخل إقليم دولة أخرى دون موافقتها وفي الحقيقة توجد عدة دوافع لهذا التدخل العسكري ولعل أبرزها:

  • حماية السكان المدنيين من انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان مثل التطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
  • حماية مصالح استراتيجية (حدود- نفط – نفوذ).
  • دعم حكومة حليفة أو معارضة نظام معاد.
  • ردع تهديدات إقليمية.
  • محاربة الإرهاب أو الجريمة المنظمة.
    ومع هذه الدوافع المتعددة فإن التدخل العسكري له عدة أشكال:
  • التدخل المباشر (إرسال قوات عسكرية جوية أو بحرية أو برية).
  • التدخل الغير مباشر (دعم الجماعات المسلحة أو المعارضة المحلية- الإمداد بالأسلحة- توفير معلومات استخباراتية).
  • التدخل تحت غطاء قانوني (تدخل بتحالف دولي تحت مظلة الأمم المتحدة أو بطلب من حكومة شرعية).
  • التدخل الأحادي (من قبل دولة واحدة لمصالح).

ولا شك أن التدخل العسكري يثير جدلًا قانونيًا وسياسيًا في سياسات الدول؛ فمنها من تؤيد وتعد التدخل العسكري مشروعًا كتدخل انساني أخلاقي ضروري لمنع جرائم ضد الإنسانية وذلك عندما يفشل مجلس الأمن بسبب الفيتو ومن تلك الدول (بريطانيا وفرنسا). ودولًت أخرى تعارض التدخل العسكري وتعدهُ انتهاكًا للسيادة الدولية إن كان دون تفويض من مجلس الأمن ومنها (روسيا والصين والكثير من دول الجنوب).

ومن المؤكد أن سيادة الدولة على أراضيها تتضمن مسؤوليتها في حماية شعبها من الجرائم ضد الإنسانية ولكن في حال فشلها عن تولي تلك المسؤولية أو إخلالها فأن المجتمع الدولي هو المسؤول عن تلك الحماية بالتدخل واستخدام القوة كملاذ أخير بقرار من مجلس الأمن.

وهذا التدخل يجرنا إلى مسألة مدى مشروعية التدخل العسكري؟ والإجابة على هذا السؤال تتطلب توازنًا دقيقًا بين المبادئ الشرعية والقانونية فالشريعة الإسلامية لا تبيح القتال الا لرفع الظلم والدفاع عن النفس ونصرة المستضعفين كما في قوله تعالى في سورة النساء الآية ٧٥ “وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين”.

وأما الشرعية القانونية للقانون الدولي فلا تسمح مواده باستخدام القوة ونجد ذلك في البند الرابع من المادة رقم (٢) من ميثاق الأمم المتحدة حيث تنص على “يمتنع جميع الأعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على نحو آخر يتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة”، إلا أنه في حالات استثنائية وبموجب أحكام ميثاق الأمم المتحدة يتحتم التدخل العسكري وذلك في الحالات الآتية:

  • حالات الدفاع المشروع.
  • تفويض دولي من مجلس الأمن.
  • طلب الدولة ذات السيادة التدخل العسكري لمساعدتها.
  • التدخل الإنساني (مسؤولية الحماية R2P)

ومن هنا تأتي أهمية دراسة التدخل العسكري من منظور يجمع بين القيم الدينية وأحكام القانون لضمان عدم الانحراف عن مقاصده العادلة؛ كما أن شرعية التدخل العسكري تشكل معضلة من عدة زوايا مختلفة سواء قانونية أو سياسية أو أخلاقية أو إنسانية وهي مسألة معقدة حيث أن شرعية التدخل تختلف باختلاف الحالات الذي يحدث فيه.

أما بشأن شرعية استخدام القوة العسكرية في حالة الدفاع عن النفس فأننا نجده في المادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة في حال تعرض الدولة لهجوم مسلح شرط الإبلاغ الفوري لمجلس الأمن وأن يكون الرد متناسبًا ومؤقتًا إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة. وأبرز مثال على ذلك حينما تدخل الناتو في أفغانستان عام ٢٠٠١ استنادًا إلى الدفاع عن النفس بعد هجمات ١١ سبتمبر.

وأما بشأن التفويض الدولي في التدخل العسكري نجد أن ميثاق الأمم المتحدة يدعم ويسمح بذلك في الفصل السابع منه بموجب المادتين (٣٩ – ٤٢) حيث تنص المادة ٣٩ على “يحدد مجلس الأمن وجود تهديد للسلم أو خرق له أو عمل عدواني” وتنص المادة ٤٢ على “يمكن لمجلس الأمن أن يأذن باستخدام القوة إذا رأى أن التدابير غير العسكرية لا تكفي” وذلك إذا صدر قرار من مجلس الأمن الدولي يجيز استخدام القوة لحفظ أو لاستعادة السلم والأمن الدوليين ولعل أبرز مثال هو التدخل العسكري لتحرير الكويت من الغزو العراقي الغاشم عام ١٩٩١ (عملية عاصفة الصحراء) وتدخل.

كذلك يمكن للدول التدخل عسكريًا في حال طلبت الدولة ذات السيادة هذا التدخل العسكري لفشلها في الحماية في الدفاع والتصدي بشرط أن يكون التدخل بموافقة الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا وأن يكون الطلب صريحًا من الدولة المعنية ومثال على ذلك طلب حكومة مالي رسميًا في ٢٠١٢ من فرنسا التدخل العسكري إبان انقلاب عسكري على شمال مالي من قبل جماعات مسلحة مرتبطة بالقاعدة؛ فأضعف الحكومة المركزية وشكل تهديدًا مباشرًا للعاصمة باماكو والجيش المالي فشل في التصدي.

كذلك شرعية التدخل العسكري بتفويض دولي كما في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام المتمثلة في قوات حفظ السلام في جنوب السودان.

ويمكن للدول التدخل عسكريًا دون تفويض من مجلس الأمن؛ بل ويعد واجبًا على الدول عند فشل الدولة في حماية شعبها في الحالات الإنسانية والأخلاقية كما في حال جرائم ضد الإنسانية او لمنع إبادة جماعية أو تطهير عرقي وهو ما يعرف بمسؤولية الحماية “ResponsibiIity to Protect “

ولعل أبرز مثال هو تدخل الناتو في كوسوفو ١٩٩٩ والذي لم يكن بموافقة مجلس الأمن.

وفي واقع الأمر أنه يتم التدخل عسكريًا في كثير من الأحيان وإن لم يكن شرعيًا بعدة مسوغات وذلك وفقًا للمصالح السياسية سواء أكانت لجانب أمني أو سياسي أو اقتصادي. حيث أنه لا يوجد نص صريح في ميثاق الأمم المتحدة يسمح بالتدخل لأغراض إنسانية بدون تفويض لكنه يتخذ شكلًا عرفيًا ومناقشات بشأنه وبذلك يتضح أن التدخل العسكري رغم كونه أداة تلجأ إليها الدول لتحقيق أهداف استراتيجية أو إنسانية يظل محاطًا بالعديد من القيود القانونية الصارمة تفرضها مبادئ السيادة وعدم استخدام القوة المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.

فالتدخل العسكري يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي؛ ويزيد حدة التهديدات الأمنية بتصاعد وتيرة العنف أو بروز جماعات مسلحة غير خاضعة للدولة، لذا لا يجوز اللجوء إلى هذا الشكل من التدخل إلا ضمن إطار قانوني مشروع كحالات الدفاع الشرعي عن النفس أو بقرار صريح من مجلس الأمن. وبالطبع إن اللجوء إلى الحلول السياسية والدبلوماسية وتعزيز آليات الوساطة والتسوية السلمية للنزاعات يظل الخيار الأمثل للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين وضمان الأمن المستدام واحترام القانون الدولي.

دمتم بود.