انتظرت ولكن!! لم يأتِ أحد

بقلم:بدرية بنت مبارك الدرعية

في زاويةٍ من زوايا هذا العالم الفسيح، حيث تتشابك خيوط الزمن وتنسج حكايات لا تنتهي، يقول أحدهم: باعت أمي خاتمها لأجل دراستي، وأساورها لزواج أختي، وعقدها لمرض أخي الصغير. لم تترك على جسدها شيئًا من الزينة، أنا تخرجت وسافرت خارج البلاد، أكلمها مرتين كل أسبوع، ولا أكاد أسمع صوتها من البكاء. أختي تزوجت رجلا ثريًا، وتعيش اليوم أحلامها كاملة معه، أخي الصغير لاعب كرة قدم شهير لم يعد إلى البيت منذ خرج منه في أول عقد أبرمه! مضت أعوام كثيرة وهي تركض حافية للباب، كلما هزه الريح أو طرقه الجيران، لكنها كثيرًا ما كانت تعود بالدمع وعرج في ركبتها. ماتت أمي وهي تخبئ خلخالها في محرمة قديمة، مخافة أن يمرض أحدنا! القصة من حساب farid_alshahwarzi.

كم هي عظيمة هذه الأم، مرّت عليها الأيام وتوالت بها السنوات، وهي تنتظر في كل يوم، كانت عيناها تحدقان نحو الباب بلهفة، تنتظر أن تطرقه يد أحدهم، أن تسمع تجليات أصواتهم تناديها، أن ترى وجهوهم التي طالما غلبها الشوق إليها. كانت تحلم بلحظةٍ واحدة، لحظة تضمّهم فيها إلى صدرها، وتشمّ عبق رائحتهم، وتُشبع حنينًا تضاعف مع كل يوم يمرّ. كم انتظرت ولكن!! لم يأتِ أحد.

عادوا بعدما أصبحت غائبةً للأبد. فما عاد طرق الباب يُجدي وما كان هناك يدٌ لتفتح.حتى الندم بات عقيمًا، والحزن لا يعيد ما فات، وبعض الخسائر دائمة لا تُعوَّض، يُقال: “لا تُعطني وردةً بعد موتي، بل أعطني شربة ماء وأنا حي”. هذه الكلمات تحكي عن أهمية اللحظة، فلكل شيء أوان ولذا لا تُهمل كنوزك الخاصة، فإنها تفقد بريقها مع مرور الزمن وطول الانتظار. تتراكم عليها شوائب الحياة ويغطيها غبار النسيان.

بعض هذه العلاقات قد نستطيع تنظيفها لتعود كما كانت، ولكن البعض الآخر لا يعود أبدًا. حاله كحال قطعة زجاجٍ إن انكسرت؛ قد نجمع شظاياها ونلصقها، لكن آثار الكسر ستبقى شاهدة على ألمها. كذلك هي علاقاتنا، تترك فيها الأيام آثارًا لا تُمحى، وجروحًا لا تشفى، حتى لو حاولنا ترميمها. لا تتخيل أنك إذا عدت إلى ما تركته ستجده كما كان. فالأمس لن يعود بكل تفاصيله، والغد لن يكون أبدًا كالأمس. لهذا استمع لما سأقوله لك: هناك أركانٌ أساسية، علاقات تُشَكِّلنا، وتمنحنا معنى. احرص عليها من الانهيار، هي ليست مجرد روابط اجتماعية، بل هي محطات خالدة في رحلتك، كالأم مثلًا والتي هي الأمان الأول، أساس وجودنا، الحضن الذي لا يُشترى ولا يُشبهه حضن، والحب الذي لا ينتظر مقابلًا ولا يتغير بتغيرنا.. ألم يوصنا بها الحبيب في حديثه فعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ -قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) متفق عليه. والأب هو ذلك الحب الهادئ والعميق الذي يُتَرجَمه إلى أفعالٍ أكثر من الكلمات. هو السند الصامت الذي يحمل أثقالنا دون أن يشكو. والأخ وهو الكتف الذي لا يميل، والصديق الذي لا يخون الرفقة. هو جزء منك يحمل همك دون أن ينطق، ويُشاركك فرحك دون أن تطلب منه. والأخت هي الرفيقة التي تخاف وتحنو عليك ومهما كبرت، تظل في عينيها ذلك الصغير الذي لا يكبر. الزوجة هي حب ينمو بالصبر، ويتعمّق بالوفاء، ويصبح ملاذًا آمنًا من تقلبات الدنيا. والزوج وهو الشريك والسند، الذي لا تكتمل الحياة إلا به ومعه.أليس هؤلاء جميعهم رحمك فقد قال الرسول عليه افضل الصلاة والسلام(لا يدخل الجنة قاطع رحم).وكلنا يطمع في دخول الجنة.

إن حكمة الله البالغة، أن جعل لكل واحدٍ منهم دوره الفريد الذي يكمل به الآخر. هذه المشاعر تتشكل لتكون شبكة مترابطة من الحب تملأ حياتنا وتجعلها أكثر ثراءًوبهجةً وجمالًا، لهذا عليك أن تُدرك قيمة هؤلاء في حياتك، فوجودهم ليس مجرد صدفة، بل هو جزء أساسي من وجودك أنت. إن فقدت أحدهم، فقدت جزءًا من ذاتك لن يعود أبدًا.

أتعلم أيها القارىء:
لقد علمتني الحياة أن لا أحدًا يشبه أحد، وأن الفراغ الذي يتركه أحدهم لا يمكن لغيره أن يملأه أبدًا. قد يأتي آخر ليسد ثغرة ما، لكنه لن يحتل مكانه أبدًا. فلكل شخص بصمته التي لا تُنسى، في كلامه، أسلوبه، وفي أدق تفاصيله.
وقد تجد في رحلة الحياة كذلك، قلبًا يرفع يديه لك بالدعاء دون أن تدري، أو صديقًا صادقًا يفهم ما لا تستطيع قوله، أو نصيحة عابرة في نظرة معلم، أو دعوة خالصة من قريب. وتعلمتُ أيضًا أن الوقت لا ينتظر. كنتُ أظنّ أن الأبواب تظلّ مفتوحة مهما طال الغياب، وأن اللقاء يمكن تأجيله إلى الغد، وأن الكلمات يمكن أن تنتظر، حتى أدركتُ الآن فقط، معنى أن تأتي متأخرًا. أن تبوح حين لا يعود هناك من يسمع، أن تندم بعدما جفّ الحبر وطُويت الصفحة.
فلا تهمل أحدًا ولا تطِل في غيابك، بل زُرهم بين الحين والآخر قبل أن يعتصرك الندم. تقول غادة السمان”أبشع ما في الندم أنه يأتي دومًا متأخرًا.”.

وفي نهاية المطاف، ليست كل قصة حزينة مجرد حكاية تُروى، بل هي مرآةٌ نعكس فيها حياتنا، وصوتٌ يهمس في آذاننا بأن الزمن لا يعود، وأن الفُرص لا تُتاح مرتين. إن أعظم دروس الحياة تلك التي تُكتب بمدادٍ من الندم، وتُختم بدموعٍ لا تُعيد غائبًا. فلا تنتظر غياب الشمس لتبحث عن دفئها، ولا تترك الأحباب حتى يغادروا الحياة لتكتشف قيمتهم. لا تجعل قصة الأم العجوز وأبناءها مجرد ذكرى تُبكيك، بل هي دعوة لك إلى أن تستثمر كل لحظة، وتُقدّر كل وجهٍ عزيز، وتُعطي من الحب ما لا يبقى منه شيء للندم.

تذكّر دائمًا، أن اليوم هو فرصةٌ قد لا تتكرر، وأن الأثر الذي تتركه في قلوب من حولك هو حصادك غدًا. فكن وفيًا لحبك، كريمًا في عطائك، ومدركًا أن فوات الأوان هو أغلى ثمنٍ قد تدفعه في هذه الحياة. يقول الفيلسوف الإغريقي سوفوكليس: “لا شيء أثقل على الإنسان من شعوره بالندم على ما كان بوسعه أن يفعله ولم يفعله.”