بقلم: د. فاطمة الظاهرية
في مرابع الأقدار تنبت الأحلامُ مثل أعشابٍ يوقظها المطر؛ لا تُروى بالصدفة، ولا تكبر بالعجلة، بل بسقيا من قيمٍ أصيلةٍ تُمسك الجذور وتُهذِّب الأغصان، هناك حيث يمتحن الطريقُ عزمَ السائرين، لا يفتح النجاحُ بابه لمن يطرق بيدٍ واحدة؛ إنما ينقاد طائعًا لمن جمع مفاتيحه التسعة، وجعلها زادَ روحٍ ومسارَ عمل.
كي تنالَ النجاح عليكَ بتسعةٍ:
رضا اللهِ والوالدينِ وخيرِ صُحبةٍ،
ذكاءٍ واجتهادٍ وبالنفسِ ثقةٍ،
صبرٍ وعفوٍ ومن مالِكَ صدقةٍ.
رضا الله
أولُ المراعي وأوسعها،به يأمن القلب من عطشه، وتستقيم البوصلة حين تلتبس المسالك، ليس رضا الله فكرةً تُقال، بل سيرةٌ تُرى: صدقٌ في العلن والسر، وأمانةٌ لا تتبدل، وعملٌ يُصقَّل كل يوم. حين تُدار الأعمال على نيةٍ نقية، يخفّ الحمل، ويُبارَك الوقت، وتُرفَع العثرات من أمام قدميك.
رضا الوالدين
هو ظلٌّ وارِفٌ يقيك وهج الطريق، دعاؤهما باب رزقٍ لا يُخطئ عنوانك، وبسمتهما توقيعُ القبول على مسودات أحلامك، لا تنتظر المناسبات؛ اصنعها معهم: كلمةُ شكرٍ صباحًا، وخطوةُ بِرٍّ مساءً، وسؤالٌ يطمئن ولا يثقل. من أرض هذا الرضا تخرج غيمات التوفيق.
خير الصحبة
الطريق الطويل لا يُقطع وحدك، ابحثْ عمّن يذكّرك إذا نسيت، ويرفعك إذا تعثّرت، ويُعرّفك بنفسك حين تختلط الأصوات. الصديق الجيد مرآةٌ بلا خدوش، ونقدٌ بلا أذى، وكتفٌ لا يسأل لماذا تثقل الدموع، ومعهم تتسع الرؤية: فالأفق الذي تراه أنت شرفة، يرونه هم سهلًا بعد الجبل.
ذكاء
ليس حيلةً تلتفّ، بل بصيرةٌ تُميّز وميزانٌ يُرجّح، ذكاؤك أن تعرف ما الذي لا تفعل، قبل الذي تفعل؛ أن تحسن السؤال قبل أن تفتّش عن الجواب؛ وأن تقرأ ما بين السطور كما تقرأ السطور، الذكاء الذي لا يتهذّب بالقيم يتحول إلى عبء، والذي يقترن بها يصير نورًا في اليدين.
اجتهاد
العزمُ اليومي الذي يضع الحجر فوق الحجر، لا يهاب البطء ما دامت الوجهةُ صادقة. اجعل لكل حلمٍ خطة، ولكل خطوةٍ ميقاتًا، ولكل ميقاتٍ شاهدًا من إنجازٍ صغير. هكذا يشتد عودك: بالثبات لا بالاندفاع، وبالتراكم لا بالطفرة.
ثقة بالنفس
أن تُصغي إلى صوتك الداخلي دون أن تصمّ أذنك عن النقد، أن تقف أمام المرآة فلا تطلب كمالًا مستحيلًا، بل نسخةً أفضلَ مما كنت عليه أمس، الثقة الحقيقية وعدٌ تُبرّه بالعمل؛ تقول: “أستطيع” ثم تُثبت ذلك في ساحة الفعل، لا في فناء الكلام.
صبر
ليس انتظارًا خاملاً، بل عملٌ مستمرٌّ تحت سقف الأمل، الصبرُ يُهذّب القلق، ويحوّل الوقت من خصمٍ إلى حليف؛ به تتفادى قراراتٍ ولِيدةَ ضيقٍ، وتقطف ثمارًا نضجت على مهل، ما أبطأه القدرُ لحكمةٍ لا يُسرِعه استعجال.
عفو
راحةُ قلبٍ قبل أن يكون منحةً لغيرك، العفو يحرّرك من قيود الغضب، ويعيد ترتيب الداخل على سكينةٍ تُحسن الاختيار. لا تترك جرحًا صغيرًا يكبر بصمت؛ ضمّده بالمسامحة، فالقلب الذي يثقل لا يركض بعيدًا ولو كان الطريق مفروشًا بالفرص.
صدقة من مالك
برهانُ شكرٍ، وتدريبُ قلبٍ على ألّا يتعلّق بما في اليد، الصدقة لا تُنقص مالًا، بل تُنقص خَوفًا، وتزيد يقينًا. أن تُخرج من رزقك سرًّا وعلَنًا، برفقٍ وابتسامة، فتُؤنس محتاجًا وتُطفئ هَمًّا؛ ذلك زرعٌ لا يضيع في حساب الأقدار.
في مرابع الأقدار لا تُغني خصلةٌ عن أخرى؛ تسعةُ مفاتيح إذا اجتمعت انفتح الباب واتّسعت الرحاب، اجعلها دستورَ يومك: تبدأه بنيةٍ صافيةٍ وودٍّ لوالديك، وتُحيط نفسك بخير الصحب، وتُرنّم عقلك بالسؤال الحسن، وتُتبع الفكرةَ بالكدّ، وتشدّ ظهرك بثقةٍ واعية، وتُهدهد قلقك بصبر، وتخفّف قلبك بعفو، وتُزكّي رزقك بصدقة.
وحين يميلُ النهار إلى غروبه، قِف لحظةً على حافة اليوم واسأل: هل سقَيتُ بستاني بهذه التسعة؟ إن قلتَ نعم ولو ببذرة، فابتهج؛ فالغيمُ يعرفُ أرضه، وموعدُ المطر مكتوبٌ وإن غاب عن التقويم، وإن قلتَ لا، فالغدُ قريب، والنيّةُ بابٌ لا يُغلق.
هكذا يُكتب النجاح في دفتر العمر: سطورٌ من قيم، وحروفٌ من عمل، وفواصلُ من رحمة. فإذا تاهت بك الدروب، فارجع إلى المرابع الأولى؛ هناك، حيث ترعى الأقدار قلوبَ من أحسنوا السعي، ستجد أن طريقك ينتظر اسمك منذ البداية.




