إضاءة قانونية: هل أنت شخص براغماتي أم دوغماتي؟

بقلم: د. تهاني حمد العبيدلي- مستشارة قانونية كويتية

في أروقة القضاء تتضح المقاربة في العدالة القانونية بين فهم القانون والجدل بشأن الوقائع والتشريعات وتطبيق القانون؛ ويبرز لدينا مفهوما البراغماتية والدوغماتية المتناقضان.

فـالبراغماتية هي المرونة، وهي اعتبار القانون وسيلة لتحقيق نتائج عملية تستجيب للواقع المتغير، بينما الدوغماتية تنظر إلى القانون كنصوص ثابتة لا تحتمل التفسير أو التأويل ما دامت واضحة. وفهم هذا التباين يطرح تحديات أخلاقية تؤثر في تشكيل العدالة.

ففي الممارسة القضائية، وفي الحكم على الواقعة من قبل القاضي، يبرز السؤال:
هل يتعيّن على القاضي أن يلتزم بالدوغماتية، أي الالتزام الحرفي بنصوص مواد القانون كما هي دون اجتهاد أو تجاوز لها، باعتبارها سلطة مطلقة للنصوص؟
أم يأخذ بالبراغماتية، فيوائم النصوص القانونية مع مقتضيات الواقع، بتطويع المواد بما يخدم المجتمع؟

الإجابة شائكة وتترتب عليها نتائج جمّة، فالأحكام ليست موجهة من شخص لقضية تخصه، بل هي أحكام تمس مصالح أطراف الواقعة، والتي قد تمس أجسادهم بالإعدام أو الحبس، أو ذممهم المالية بالغرامة. ولا شك أن القانون بمواده المنصوصة هو ملزم، وإن اعتَرَت بعض مواده ثغرات قانونية يراها البعض مجحفة بحق طرف على حساب طرف آخر أو فئة معينة. وتكون السلطة التقديرية للقاضي محدودة في كثير من الأحيان، ما بين الحكم بالحد الأعلى أو الأدنى من العقوبة، في ظل الوقائع والأدلة والبراهين الواجب الاعتداد بها والأخذ بها عند الفصل في الواقعة. لذا، لا نجد البراغماتية حاضرة بوضوح في القانون الجنائي الذي لا يتوسع في التفسير، بينما نجدها في أنواع القوانين الأخرى.

أمثلة قضائية على البراغماتية والدوغماتية:
مثال على البراغماتية:
أستشهد بحكم قديم نسبيًا للمحكمة الأمريكية العليا في قضية براون ضد مجلس التعليم (١٩٥٤)، حيث كانت القوانين آنذاك تجيز الفصل العنصري في المدارس العامة. استخدمت المحكمة نهجًا براغماتيًا، حيث تجاوزت النص الحرفي للتعديل الرابع عشر، واعتبرت أن “الفصل” حتى وإن بدا متساويًا، فإنه يولد شعورًا بالدونية لا يتفق مع جوهر العدالة. وعليه، اجتهدت المحكمة لتجاوز النصوص التمييزية لصالح العدالة والمساواة.

مثال على الدوغماتية:
القاضي “أنتونين سكاليا” يُعد مثالًا للدوغماتية، إذ عُرف بمنهجه الأصولي الصارم، حيث كان يلتزم التزامًا حرفيًا بالنصوص الدستورية، حتى في القضايا التي تتطلب مرونة، مثل حقوق المثليين وقضايا الإعدام. وبرغم نزاهته القانونية، إلا أنه كثيرًا ما وُجهت إليه الانتقادات لجموده.

البراغماتية والدوغماتية في القانون العُماني:
يتجلى النهج البراغماتي في القانون العُماني في تفسير العقود عند وجود غموض في التعبير، ويتضح ذلك في المادة (١٦٥) والمادة (١٦٦) من قانون المعاملات المدنية.
فقد نصت المادة (١٦٥) على:
“إذا كان النص واضحًا، فلا يجوز الخروج عنه، أما إذا وُجد غموض، فيتم تفسيره للوصول إلى نية الأطراف الفعلية، اعتمادًا على طبيعة المعاملة والعرف التجاري ومبدأ الثقة والنية المشتركة.” كما تنتهج سلطنة عُمان النهج الدوغماتي حينما يكون النص القانوني واضحًا وخاليًا من الغموض، فلا يحتاج إلى اجتهاد لتغيير مضمونه. وهذا التوازن يعكس توجّهًا براغماتيًا مدروسًا في التطبيق القضائي العُماني.

البراغماتية والدوغماتية في القضاء الكويتي:
في القضاء الكويتي، يتمتع القاضي بصلاحية اجتهادية وسلطة تقديرية في بعض المنازعات، لا سيما تلك المتعلقة بالاحتيال وسوء النية في المعاملات التجارية، حيث يُسند استنتاجاته بناءً على الوقائع لا على النص الصارم للعقد، وهنا تبرز البراغماتية بوضوح. في المقابل، تظهر الدوغماتية حينما تلتزم المحاكم الكويتية بالنصوص الدستورية في القضايا التنظيمية والدستورية المحددة.

من هنا، يتضح أن القانونَين الكويتي والعُماني هما مزيج من المرونة الاجتهادية (البراغماتية) عندما يكون النص غامضًا أو تكون هناك حاجة لحماية العدالة والمصلحة العامة، والدوغماتية حين يكون النص دقيقًا واضحًا لا يحتمل التأويل.

ولعل الآية الكريمة رقم ٨ من سورة الشمس في قوله تعالى:
“ونفسٍ وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكّاها * وقد خاب من دسّاها”
تبرز مفهومي البراغماتية والدوغماتية بشكل واضح، إذ تختصر فكرة النفس البشرية التي تزخر بالخير والشر، البذرتين اللتين غرسهما الله عز وجل في الإنسان، والفكر الإنساني المعقّد في تفكيره وتحليله وقدرته على اتخاذ القرارات الصحيحة أو الخاطئة، والمرونة التي ينتهجها حين الحكم واتخاذ القرار.

ومن هذا السرد أعلاه، أين تجد نفسك أيها القارئ؟ هل تتبع المنهج البراغماتي أم المنهج الدوغماتي في اتخاذ قراراتك؟

دمتم بود.