بقلم: د. رجب بن علي العويسي

تشكل الإجازة الصيفية بيئة خصبة لتشكيل شخصية الناشئة وإعادة إنتاج السلوك الاجتماعي وربطه بالمكوّن المجتمعي، ولعل ما تمثله الإجازة الصيفية من فرص ناتجة عن مساحة الفراغ المتاحة للأبناء، وهي كفيلة بأن تعيد تشكيل شخصية المتعلم، خاصة في تزامنها مع إجازة الوالدين، ولكن في المقابل، يمكن أن تشكل الإجازة الصيفية – إن لم تُستثمر بالشكل الصحيح- تحديا في حياة الأبناء، في ظل ما ينتج عنها من ممارسات غير منضبطة وسلوكيات مستهجنة، وأفعال تتنافى مع الذوق الرفيع وقيم المجتمع وأخلاقه وتمس بشخصية الناشئة، عندما تغيب الرقابة والمتابعة الوالدية، ويغيب البعد التخطيطي والتنظيمي والإثرائي الموجّه للناشئة. لذلك يأتي تأكيدنا على أهمية تنظيم البرنامج الصيفي على مستوى كل اسرة بحيث يضبط وقت الناشئة ويوجههم ، للحد من التعلم السلبي الذي قد يتلقاه الأبناء من أقرانهم وأصدقائهم خارج إطار الاسرة ومؤسسات التنشئة.
لقد كشف الادعاء العام، مشكورًا، عن ارتفاع عدد الجرائم الواقعة على الأطفال خلال عام الماضي، حيث وصلت قضايا التحرش الجنسي بالأطفال إلى (١٢٤٦) جريمة، ناهيك عن القضايا الأخرى المرتبطة بالأطفال، ومنها ممارسة أي شكل من أشكال العنف ضد الطفل، والتي بلغت (١٢١٢) جريمة، إضافة إلى (١٠٦) جرائم اغتصاب أطفال، فإن تناول الادعاء العام لجرائم التحرش وهتك العرض بالأطفال بمزيد من الشفافية والوضوح والتفصيل، وطريقة طرح القضية للرأي العام، والصورة التي قدم بها سعادة المدعي العام هذا الأمر في اللقاء السنوي “الشعور بعدالة الإجراء”، وهو يتحدث عن هذه الأرقام وما تحمله من دلالات وما جاء في ثنايا خطابه من لغة حازمة وعدم تساهل في الأمر، ودعوة الوالدين والأسر وأولياء الأمور إلى احتواء أبنائهم والرقابة عليهم، إنما يعكس استشعارًا لحجم الضرر الناتج والقلق المرتبط بمجتمع سلطنة عمان الفتي، الذي يشكل الأطفال فيه رقمًا صعبا في معادلة التنمية الوطنية.
ومن ذلك ما جاء على لسان سعادة المدعي العام قوله:
• “أغلب قضايا التحرش ما كانت داخل البيت.”
• “جميعنا يتحمل المسؤولية، لكن الجزء الأكبر يأتي على البيت.”
• “شماعة الحرية الشخصية أوهن من أن تشل مسؤوليتنا وتقاعسنا تجاه أسرنا، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.”
• “وين وجد الطفل عشان يتحرش به؟ أغلب القضايا ما كانت داخل البيت.”
• “مين منا شاف محتوى ابنه في جهازه؟”
• “ابن متعاطٍ منذ سنتين داخل البيت، ولا الأب ولا الأم للأسف يعرف أن الابن يتعاطى.”
وبالتالي فإن ما تقدمه هذه الأرقام من مؤشرات خطيرة تدعو إلى تكاتف الجهود، ومزيد من المراجعة والتشخيص وتقييم الواقع، وتبني سياسات وتشريعات وبرامج تعليمية وتوعوية وإعلامية وأسرية موجهة للأطفال والأسر وطلبة المدارس، لتعزيز حماية الطفولة من التحرش الجنسي والممارسات غير الأخلاقية، وتعظيم الوعي الجمعي بضرورة تمكين الأطفال من الإفصاح والتعامل مع التهديدات التي يواجهونها والإبلاغ عن أي تحرش يقع عليهم داخل الأسرة أو المدرسة أو أي موقع آخر.
ومن هنا يأتي طرحنا لهذا الموضوع في وقت الإجازة الصيفية كونها سلاح ذو حدين ، فمن جهة يمكن أن تؤدي الإجازة الصيفية – إن احسن استثمارها- دورا محوريا في توجيه الناشئة وإعادة تشكيل شخصيتهم الاجتماعية عبر ربطهم بقيم الاسرة والمجتمع والاستفادة من السياحة والتنزه والسفر والتنقل في تعظيم هذه القيم وتجسيدها في شخصية الابناء مما يسهم في تجنيبهم هذه الظواهر، أو أن تكون تحديًا وخطرا يؤدي بسبب – عدم التخطيط لها أو ضبطها أو توجيه بوصلة الأبناء في الاستفادة منها – إلى وقوع الأبناء في سلوكيات محظورة وممارسات غير مأمونة، قد يكون التحرش الجنسي – والعياذ بالله – أحد نواتجها بما يؤكد أهمية استشعار الاسرة والوالدين لطبيعة المسؤولية؛ وفي الوقت نفسه أهمية إعادة ضبط وتقييم البرنامج الصيفي خارج الاسرة كالمراكز الصيفية المقامة في المساجد والمدارس أو المجالس وغيرها الموجهة للناشئة، وهي دعوة للقائمين على هذه المراكز الصيفية تحديدا إلى أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يقدموا كل أشكال الحماية للأبناء من أي محاولات للتغرير بهم أو استدراجهم إلى هذا المستنقع الخطير من قبل زملائهم أو غيرهم، وأن تعمل الجهات الرسمية والأهلية المعنية بهذه المراكز على رفع معايير الرقابة، وتفعيل كاميرات المراقبة في المراكز الصيفية وسكنات الطلبة وغيرها، واختيار الكفاءات التربوية الصالحة والأمينة للإشراف على الأبناء، منعًا من الوقوع فيما لا تحمد عقباه.
أخيرًا، تبقى حوادث، التحرش الجنسي على وجه الخصوص، في ظل تداعياتها النفسية والفكرية والفسيولوجية العميقة على الطفل، التي تفوق في وقعها وأثرها تلك الحوادث الجسدية الأخرى، والصورة الذهنية التي ترافق الطفل بعد التعرض لمثل هذه الجرائم قد تلازمه لعشرات السنين، وتنعكس على سلوكه ومستقبله وشخصيته، بل قد تدفعه – لا قدر الله – إلى الانحراف الأخلاقي، أو إلى سلوك طريق الانتقام، أو الدخول في دائرة الكراهية تجاه الأسرة والمجتمع، نتيجة الشعور بالتنمر والخذلان الاجتماعي. محطة لتدارك الأمر، ورسالة إنسانية وتوعوية مهمة للوالدين في كيفية التعامل مع المخاطر التي تهدد الطفولة، وتدعو الأسرة إلى تحمّل مسؤوليتها، خاصة في فترات الإجازة الصيفية التي تمثل بيئة حساسة وخصبة لنمو هذه الظواهر وانتشار جرائم التحرش الجنسي، الأمر الذي يفرض إعادة ترتيب الأولويات التربوية. فإن التأكيد على دور الأسرة في هذا المقام يضعنا أمام استشعار كلي لمفهوم الرعاية الاسرية التي يجب أن لا تقتصر على الرعاية الجسدية فحسب، بل أن تمثل نموذجًا للاحتواء العاطفي، والحماية الفكرية، والتحصين الثقافي، انطلاقا من أن حماية الأطفال مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، وتتطلب وعيًا مستمرًا وسلوكًا وقائيًا يراعي التغيرات المتسارعة في محيطهم، ويفرض رقابة ذكية تقوم على المحبة والثقة والانتباه الدائم، كما تتطلب بناء التزام مجتمعي ومؤسسي صادق نحو حماية الأطفال ورعايتهم، وتبني السياسات الوطنية الفاعلة والتشريعات والإجراءات التي تعزز مساحة الأمان في حياة الطفولة، عبر تقوية جسور التواصل التي تربطها بدينها وقيمها وأخلاقها ومبادئها وثوابتها الوطنية، فتعصمها من الانحراف، وتقيها من الوقوع في التحرش والاغتصاب وجرائم المخدرات وغيرها من الظواهر المجتمعية التي باتت تدق ناقوس الخطر.




