لو أن الحياة مجرد فكرة… كيف ستكون نظرتك؟

الكاتبة الصحفية: نجد ردينـي الثبيتـي

ماذا لو استيقظنا ذات صباح واكتشفنا أن الحياة ليست أكثر من فكرة عابرة في عقل الكون؟ ماذا لو كانت كل الطرق التي سلكناها، وكل الأحلام التي طاردناها، وكل اللحظات التي بكينا أو ضحكنا فيها، مجرد فكرة كبيرة نعيش داخل تفاصيلها؟

سؤال يبدو غريبًا للوهلة الأولى، لكنه يحمل في داخله مساحة واسعة من التأمل: لو أن الحياة مجرد فكرة، كيف ستكون نظرتك إليها؟

ربما عندها ستتغير الكثير من الأشياء التي نعتبرها اليوم حقائق مطلقة. سننظر إلى الخسارات باعتبارها مشاهد مؤقتة في قصة طويلة، وإلى النجاحات على أنها محطات وليست نهاية الطريق. سنفهم أن ما نملكه اليوم قد لا يكون ملكًا لنا غدًا، وأن ما نفقده ربما يعود إلينا بصورة أخرى لم نتوقعها.

الحياة، كما نعرفها، تشبه كتابًا مفتوحًا على صفحات لا نعرف عددها. نقرأ صفحة فنفرح، ونقرأ أخرى فنحزن، لكننا نجهل دائمًا ما تخبئه الصفحة التالية. ولو كانت الحياة مجرد فكرة، فإننا جميعًا شخصيات تتحرك داخل خيال واسع، نحاول أن نفهم دورنا بينما تستمر القصة في التقدم.

في زاوية من الخيال، يمكن أن نتخيل مدينة كاملة يعيش سكانها داخل فكرة واحدة. يستيقظون كل يوم، يعملون، يحبون، يحلمون، ويختلفون، دون أن يدركوا أنهم جزء من فكرة أكبر منهم جميعًا. وفي يوم ما يبدأ أحدهم بطرح سؤال بسيط: “هل ما نراه حقيقة أم مجرد تصور؟” فيتغير كل شيء. ليس لأن العالم تبدل، بل لأن طريقة النظر إليه تبدلت.

وهنا تكمن قوة الفكرة. فالحياة كثيرًا ما تتغير حين تتغير زاوية الرؤية فقط. المشكلة نفسها قد تبدو كارثة لشخص، بينما يراها آخر فرصة للنمو. والطريق الذي يراه البعض مسدودًا قد يراه غيرهم بداية جديدة.

ولو اعتبرنا الحياة فكرة، فإن القيمة الحقيقية لن تكون في طولها أو قصرها، بل في المعنى الذي نمنحه لها. فالأفكار العظيمة لا تُقاس بعدد كلماتها، بل بعمق أثرها. وكذلك الحياة لا تُقاس بعدد السنوات التي نعبرها، بل بما نتركه خلفنا من أثر طيب وذكر جميل وإنجاز نافع.

إن أكثر ما يرهق الإنسان هو اعتقاده أن كل شيء يجب أن يكون كاملًا. لكن لو كانت الحياة مجرد فكرة، فسندرك أن النقص جزء من جمالها، وأن التعثر ليس نهاية الرحلة، بل فصل من فصولها. سنتعلم أن نتصالح مع أخطائنا، وأن نمنح أنفسنا فرصة أخرى كلما أخفقنا.

وفي مساحة أخرى من الخيال، يمكن أن نتصور أن الحياة لوحة هائلة يرسمها الزمن. كل إنسان فيها لون مختلف، وكل تجربة ضربة فرشاة جديدة. بعض الألوان زاهية ومشرقة، وبعضها قاتم وثقيل، لكن اللوحة لا تكتمل إلا باجتماع الجميع. ولو حذفنا لونًا واحدًا لاختل المشهد كله.

لذلك، حين نسأل: لو أن الحياة مجرد فكرة، كيف ستكون نظرتك؟ ربما تكون الإجابة أنني سأعيشها بخفة أكبر، وأحب بصدق أكبر، وأسامح أكثر، وأخاف أقل. سأدرك أن القلق المستمر على ما لم يحدث بعد يسرق جمال ما يحدث الآن. وسأؤمن أن لكل لحظة قيمة تستحق أن تُعاش بكامل حضورها.

الحياة، سواء كانت حقيقة مطلقة أو مجرد فكرة رمزية نتأملها، تمنحنا كل يوم فرصة جديدة لنكتب سطرًا مختلفًا في قصتنا. وربما تكون الحكمة الأجمل هي ألا ننشغل كثيرًا بمحاولة تفسير الحياة بقدر ما ننشغل بصناعة معنى جميل داخلها.

فإن كانت الحياة فكرة، فلنجعلها فكرة تستحق أن تُروى. وإن كانت رحلة، فلنجعلها رحلة تستحق أن تُعاش. وبين الفكرة والرحلة يبقى الإنسان هو الكاتب الحقيقي لتفاصيل أيامه، وصاحب القدرة على أن يحول اللحظات العابرة إلى قصة لا تُنسى.