بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعية
يحكي مدير مدرسة ثانوية قائلًا: في صباحٍ ثقيل من أيام الاختبارات، توقّفت أمام المدرسة سيارةُ السجن، ونزل منها طالبٌ في مقتبل العمر مكبَّل اليدين بالأغلال. كان المشهد قاسيًا؛ صدمةً للطلاب، ووجعٌ يوشك أن يحطم قلب ذلك الفتى قبل أن يبدأ امتحانه. كان ذلك الطالب قد أُوقف في قضيةٍ بسيطة، وأُودع في السجن لفترةٍ مؤقتة، ومع ذلك سُمِح له بإكمال دراسته وتقديم اختباراته النهائية حتى لا يضيع مستقبله بسبب لحظة تعثّر في حياته. كنتُ يومها مديرًا للمدرسة الثانوية، وما إن رأيت الطالب حتى شعرت أن الموقف أكبر من مجرد إجراءٍ نظامي. اقتربتُ من العسكري وقلت له بهدوء: دعنا نختبره في غرفةٍ منفصلة، بعيدًا عن أعين زملائه. لكن العسكري اعتذر قائلًا: لا أملك أمرًا بذلك يا سعادة المدير. حاولت إقناعه طويلًا، وأوضحت له أن رؤية الطالب بتلك الهيئة ستكسر نفسه، وربما تترك في قلبه جرحًا لا يندمل. استمرت المفاوضات قرابة نصف ساعة، حتى تواصلتُ مع أحد الضباط في السجن، وشرحت له الأمر. قال الضابط: ليس لدينا توجيه رسمي، لكن ما دام الأمر داخل المدرسة، ولك فيه مقصد تربوي وإنساني، فتوكل على الله. أخذت الطالب إلى غرفة الوكيل، وأغلقت الباب بهدوء، وأحضرت له وللعسكري الشاي والحليب، وهيأت له مكانًا هادئًا ليؤدي اختباره بكرامة، وجعلت أحد المراقبين يجلس معه حتى يبدأ. أنهى الطالب اختباره بهدوء، ثم استدعاني الوكيل وقال: الطالب يريدك. دخلت عليه، فإذا به يبكي بحرقة. قلت: ما بك يا بُني؟ قال والدموع تخنق صوته: يا أستاذ… ما فعلته معي اليوم أبكاني. أبي لم يزرني في السجن، وإخوتي لم يأتوا، وأصدقائي الذين كانوا معي خرجوا ولم يسأل عني أحد. مضت أيامٌ طويلة لم أشعر فيها أنني إنسان… ثم جئتَ أنت، فحفظت كرامتي، ومنعت أن يراني زملائي بهذا الحال. قلت له: يا بني، لم أفعل ذلك إلا لأنني لا أريد لهذا الموقف أن يطاردك بقية عمرك. ومحكوميتك — بإذن الله — بسيطة وستنتهي، فلم أُرِد أن تُعاقب أكثر بأن يراك زملاؤك في هذا الحال. خرج الفتى من السجن بعد انتهاء محكوميته القصيرة، وقد تغيّرت نفسيته تمامًا بعد ذلك الموقف. تحسّن مستواه الدراسي، وأكمل الثانوية ثم تخرّج من إحدى الكليات. واليوم، وبعد ست سنوات، ما زلت ألقاه في كل رمضان، وقد اعتاد في كل ١٥ رمضان أن يتكفّل بالإفراج عن سجينين معسرين. (القصة من حساب farid_alshahwarzi).
أحيانًا يكون هناك طفلًا نشأ في بيئة تشجع على السرقة أو العنف، ولم يكن هناك من يوجهه أو يقول له هذا خطأ، ارتكب جرمًا وهو يظن أن هذه هي الحياة، عندما كبر واختلط بالناس وعقل، أدرك فداحة ما فعل. كما أن كثير من الناس في سن الرابعة عشر أو الخامسة عشر ارتكبوا حماقات أو أخطاء تسببت في أذى مادي أو معنوي للآخرين، بسبب حب الظهور أو غياب العقل، عندما يصبحون في الثلاثين أو الأربعين، ينظرون للخلف بخجل وندم.
الإنسان لم يُخلق ملائكًا منزهًا عن الأخطاء، ولا معصومًا من الزلل، بل هو نفخة من روح الله، تتجاذبها الميول والأهواء.والنفس أمارة بالسوء، وليس هنالك من لا يخطأ، أليس كذلك؟
وعندما يقع الإنسان في مشكلة أو يرتكب جُرم، بسبب جهله أو إندفاعيته الشديدة، تنتابه لحظة إنكسار فتسقطه، وتفقده أمانه الداخلي، فتنهال عليه نفسه متسائلة في حرقة: كيف سمحت لهذا بأن يحدث؟ فيداهمه شعور جارف بالخوف من نظرة المجتمع، ويتوقع تلقائيًا أن الآخرين سيلومنه وينبذونه، أو يشمتون به.
ونجد في إخوة يوسف عليه السلام أعظم العِبر؛ ففي لحظة غفلة، واستجابة لنفس أمارة بالسوء يملؤها الحسد والغيرة، ارتكبوا جُرمًا عظيمًا عندما ألقوا بأخيهم في غيابات الجب. وكذلك امرأة العزيز عندما اعترفت وأقرت بطبيعة النفس البشرية على لسانها، حين قال ربنا في كتابه: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}.(سورة يوسف، الآية ٥٤).
هل تعلم أن الإنسان المنكسر بعد خطئه يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أُذنٍ تسمعه بإنصاف وقلب يتفهمه. يقال في الطب، إنه لا يمكن إجراء جراحة لمريض ينزف حتى يتم إيقاف النزيف أولًا. الاحتواء هو بمثابة وقف لنزيف النفس البشرية؛ فعندما يجد الإنسان يدًا تمتد لتساعده، وقلبًا يشعره بغمرة الدفء يقف بجانبه، ومجرد الشعور بأن هناك من يفهمه يمنح الإنسان القوة للوقوف مجددًا. يقول الإمام الغزالي: “أن الرفق واللين هما ثمرة من ثمار حُسن الخُلق، والعنف والشدة يولّدان الغضب والفظاظة، ولا ينتجان إلا عُسرًا”. وكما يقول مصطفى صادق الرافعي: “الكلمة الطيبة هي كلمة تخرج من روحٍ طيبة، لتصنع في روحٍ أخرى حياة جديدة”.
ولكن ماذا لو لم يجد ذلك من يحتويه أو حتى يتفهمه؟ هنا تكمن المأساة؛ إذ سيتبنى هذه الهوية الجديدة؛ فيتحول السلوك العارض إلى نمط حياة وسلوك إجرامي أو تخريبي مستمر. ويصبح فريسة سهلة لرفقاء السوء، أو الجماعات المنحرفة التي تمنحه شعورًا زائفًا بالقبول والقوة، وتستغل اندفاعه وجهله لتوظيفه في مشاكل أكبر وأشد.
لكن، وحين تضيق في وجهه سبل الأرض وتتلاشى الحلول، يتجلى اللطف الإلهي؛ فإنه وإن غاب احتواء البشر وضاقت صدورهم بالمخطئ، فإن طوق النجاة الحقيقي لا ينقطع أبدًا؛ إذ تظل رحمة الله أوسع من كل ذنب، وأكبر من كل جرم. فإذا كانت أبواب البشر قد تُغلق في وجه المخطئ، فإن عزاء النفس الأكبر وأمانها الأبدي يكمن في غاية اليقين؛ بأن بابه سبحانه مفتوح دائمًا للمذنبين، فهو لم يغلقه قط في وجه أواب رجع إليه، بل ينادي عباده بجميل لطفه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. (سورة الزمر، الآية: ٥٣).
لحظة الانكسار والندم التي تسقط الإنسان أرضًا، هي ذاتها العتبة التي يقف عليها تائبًا مستغفرًا، لتبدل سيئاته حسنات؛ فالله سبحانه يفرح بإنابة عبده إليه ويقبله مهما بلغت فداحة ماضيه، ليعود إلى الحياة بنفس جديد، وروح طاهرة، محاطًا برحمة وسعت كل شيء، ولسان حاله يلهج بمناجاة تذوب خجلًا ورجاءًا بين يدي خالقه كما قال أبو نواس:
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً … فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ
إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ … فَبِمَنْ يَلُوذُ وَيَسْتَجِيرُ الْمُجْرِمُ؟




