“خدمات صيانة التكييف والتبريد” نموذجًا؟
بقلم: د. رجب بن علي العويسي

التقيتُ بأحد الشَّباب العُماني العامل في قِطاع خدمات صيانة المكيِّفات وأجهزة التبريد، حيث يُدير مع زميله شركة ناشئة مسجَّلة في هيئة المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة. سألته عن مدى رضاه عن عمله، والنصيحة التي يقدِّمها للشَّباب العُماني للانخراط في هذه المِهن، فكانت إجابته: «شخصيًّا أشعر بفخر واعتزاز وارتياح كبير، حيث أخذتُ الموضوع بجِديَّة منذ دخلتُ التخصُّص في الكلِّية التقنيَّة العليا – حينها – وأنا في هذا العمل منذ أكثر من ٩ سنوات. ورغم أنَّ سوقنا يُعدُّ ناشئًا، مقارنةً بوجود العمالة الوافدة وسيطرتها على هذا القطاع، إلَّا أنَّنا أثبتنا فيه بصمة نجاح، ولديَّ قناعة بأنَّه إذا كسبتَ الثقة يمشي سوقك. ومن خلال تجربتي وجدتُ أنَّ الكثير من العُمانيين يفضِّلون التعامل مع العُماني، وهذا ما لمستُه. والحمد لله، لديَّ عقود عمل وارتباط مع عُمانيين – منازل أو مؤسَّسات – وثقتهم بعملي كبيرة، وما أقدِّمه من بصمات نجاح أفخر بها، وهو ما يزيد من فرص الأعمال لديَّ والحصول على زبائن أكثر”…
إنَّها دعوة للشَّباب العُماني لاستثمار هذه الفرصة بالانخراط في هذه المِهن التي أصبحت تدرُّ مكسبًا كبيرًا ودخلًا وفيرًا. في الواقع، تشهد بعض المهن رواجًا سوقيًّا كبيرًا، وتبرز أهمِّيتها كمِهن منتجة وذات قِيمة مضافة في حياة المواطن اليوميَّة، نظرًا للاحتياج الواسع إليها. ومن ذلك، على سبيل المثال، ما يتعلَّق بقطاع التكييف والتبريد، وبشكلٍ أخص خدمة صيانة المكيِّفات، حيث تشهد هذه الخدمات – مع ارتفاع درجات الحرارة وبدء فصل الصيف – رواجًا كبيرًا ونشاطًا مزدهرًا، وحركةً دائبة. وقد باتت المنازل تعجُّ بالأيدي الوافدة حتى أوقات متأخرة من الليل، وأصبح التعامل فيها يتمُّ أحيانًا وفق سلوك استغلالي لدى بعض الممارسين، بوضع المستهلك أمام الأمر الواقع وفرض أسعار مرتفعة عليه…فمثلًا، قد تحتاج صيانة المكيِّف إلى عشرة ريالات في مدَّة لا تتجاوز نصف ساعة، كما أنَّ تعبئة غاز المكيِّف “السبليت” قد تصل إلى (١٠) ريالات عُمانيَّة أو أكثر، ناهيك عمَّا يظهر من تشخيصات قد تكون مبالغًا فيها، كالحاجة إلى تغيير وحدة المعالجة الداخلية “الكمبريسر”، حتى يصل الأمر إلى تحقيق دخل كبير خلال وقت قصير.
وفي المقابل، فإنَّ الصورة الأخرى التي قدَّمها الشَّباب العُماني العامل في هذا القطاع – من خلال معايشة التجربة والاستئناس بالشباب العماني الصاعد الممتهن لهذه المهنة- بدأت تُحدث تحوُّلًا في هذا المسار، حيث برزت منافسة حقيقيَّة في السوق. ومن خلال تجربة شخصية، يظهر الفارق؛ فالسعر الذي يطرحه الشَّباب العُماني غالبًا أقل، كما أنَّ الشفافية والوضوح في تشخيص المشكلة ومعالجتها يعزِّزان الثقة والاطمئنان لدى المستهلك، الأمر الذي يجعل الإقبال عليهم أكبر.
من هنا، يمكن القول إنَّ الفرص المتحققة اليوم للشَّباب العُماني المنخرطين في هذه المهن، وحجم الثقة التي يوليها لهم المستهلك، إضافةً إلى جودة الإنجاز وسرعة الاستجابة وسهولة الوصول إليهم رغم ضغط العمل، تؤكِّد أنَّ المستقبل يحمل فرصًا واعدة لتعزيز حضورهم في هذا القطاع، في ظلِّ معايير الجودة والمهنية والشفافية. وهو ما يستدعي توفير حوافز وممكنات وإجراءات داعمة تُسهم في تمكين الشَّباب العُماني من الانخراط في هذه الأعمال. ومن جهة أخرى، فإنَّ تنظيم هذه المِهن يُسهم في توفير بيئة آمنة للشَّباب، ويعزِّز استقرارهم المهني والاقتصادي. فوجود جمعيَّات مهنيَّة ونقابات عمالية يُمكن أن يوفِّر إطارًا لحماية حقوق العاملين، وتعزيز سمعتهم في السوق، وتبادل الخبرات بينهم، وإيصال صوتهم إلى الجهات المعنيَّة، وعلى رأسها هيئة المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة.
ونظرًا لمحدودية دخول الشَّباب العُماني في هذه المِهن، واستمرار سيطرة الأيدي الوافدة – أحيانًا دون خبرة كافية – فإنَّ تعزيز وجود المواطن في هذا المجال يستدعي تطوير التشريعات والمحفِّزات الداعمة. ورفع مخرجات الكليَّات المهنيَّة والمراكز التدريبيَّة، الحكومية والخاصَّة، العاملة في هذه التخصصات، ودورها في تبنِّي سياسات تدريبيَّة وتشغيليَّة تُعزِّز من كفاءة الشَّباب العُماني، وتدعم مهاراته الأساسي: والفنيَّة والنَّاعمة، لسدِّ الفجوة الحاصلة في قطاع التكييف والتبريد، ليمتد الاهتمام إلى مجالات أخرى مثل صيانة السيارات والهواتف المحمولة. لذلك تأتي أهمية التوجُّه نحو تعمين هذا القطاع، في ظلِّ أهمِّيته وما يوفِّره من فرص تشغيليَّة، وتوسيع قاعدة العمل الحر، ومنع الاحتكار والتجارة المستترة، وضبط العمالة غير المرخَّصة.
أخيرًا، يبقى الرهان – بعد توفير البيئة التشريعيَّة والتنظيميَّة – على قدرة الشَّباب أنفسهم في التفاعل مع متطلبات هذه المِهن، من خلال امتلاك المهارات الأساسيَّة، والالتزام بأخلاقيَّات العمل، والتطوير المستمر، والإتقان، والالتزام بالمواعيد، والجاهزية الدائمة. فهذه العوامل كفيلة بتقليل التحدِّيات، وتعزيز حضور الشَّباب العُماني بفاعلية في ميدان المنافسة وفورية الاستجابة، وبناء صورة إيجابيَّة عن أدائهم في هذا المجال، على أنَّ بناء ثقة الشَّباب بأنفسهم، وحسن التسويق لأعمالهم، والاستفادة من المنصات الرقمية الحكومية وتطبيقات المؤسسات ذات الصلة، والتزامهم بجودة الخدمة المقدمة للمستفيدين وكفاءتها، وصبرهم، ستُسهم في تصحيح الصورة الذهنيَّة السلبية حول هذه المِهن، وتعزيز ثقة المجتمع بقدراتهم، بما يجعلها نقطة انطلاق حقيقية نحو مستقبل مهني واعد يصنع الفارق ويبني الفرص.




