عندما فقدتها


بقلم: صَالِح الرِّيمِي – السعودية

كتبتُ خاطرةً لا أزعم أنها كانت كلماتٍ تُقرأ، بل حالةً عابرة سكنتني، ثم انسكبت على هيئة حروف، كنتُ أراها تتشكّل أمامي كأنها تُكتب بي لا مني، وكأن شيئًا في داخلي قد صفا حتى صار يقول ما لا يُقال، أحطتُها بعنايةٍ فائقة تشبه الخوف، وخِفتُ عليها كما يُخاف على لحظة صدقٍ لا تتكرر، حتى خُيّل إليّ أني إن فقدتُها، فقدتُ شيئًا من نفسي ..

ثم جاء ما لم يكن في الحسبان؛ انشغلتُ بنداءٍ عابر، واسترسلتُ بالحديث، وحين عدتُ لم أجد إلا فراغًا باردًا، كأن الخاطرة لم تمرّ هنا يومًا، وكأن ذلك الصفاء كان حلمًا وأفقتُ منه دون أن أحتفظ بشيء.

خاطرتي عندما ذهبت كأنني تركت بابًا مفتوحًا فعبرت منه نسمة، وحين عدت لم تجد إلا سكونًا لا يدل عليها في داخلك، ثم حاولت أن أتذكر جملة البداية، لكن الكلمات هربت، وبقيت ظلالها، كلما حاولت الإمساك بها، شعرت أنها تبتعد أكثر، كحلمٍ جميل استيقظت منه فجأة ..

حاولتُ أن أستدعيها، أن أسترجع ظلّها، لكنها كانت قد مضت، خفيفةً كما جاءت، لا تترك إلا أثرًا غامضًا يشبه الحنين لشيء لم يكتمل، فأدركتُ متأخرًا أن بعض الكلمات لا تُكتب لتبقى، بل لتشهد علينا لحظةً كنا فيها أكثر صدقًا، ثم تمضي، ولم يبقَ لي منها إلا يقينٌ هادئ: أن ما يُؤخذ من القلب لا يضيع عند الله، وأن كل فائتٍ سيعوَّض، ولو بعد حين.

ترويقة:
فقدُ خاطرة جميلة يشبه أن تُطفئ شمعةٌ كنتَ قد أضأتها من روحك، لا من يدك، تشعر كأنك لا تفقد كلماتٍ فحسب، بل تفقد حالةً كاملة كنت تعيشها، وصفاءً نادرًا، وصدقًا لا يتكرر بسهولة، هو ذلك الفراغ المفاجئ حين تنظر فلا تجد شيئًا، مع أنك متيقّن أن قبل لحظات كان هناك شيء حيّ، نابض، يشبهك أكثر مما تشبهك أحيانًا نفسك ..

ليس الألم في ضياع النص وحده، بل في الإحساس أنك كنت في لحظة صدق نادرة، ثم انقطعت، دون وداع، ومع ذلك، في عمق هذا الفقد، شيء خفيّ يهمس: أن ما كتبته لم يكن صدفة، وأن الجمال الذي مرّ بي قادر أن يمرّ بي مرة أخرى، وإن تغيّر شكله.

ومضة:
كنت أعتقد أن أسوأ شعور في العالم هو فقدان شخص تحبه، لكنني كنت مخطئًا، أسوأ شعور في العالم هو اللحظة التي تدرك فيها أنك فقدت شيئًا من روحك.

كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك