بقلم: د. رجب بن علي العويسي

يعتبُ بعضُنا على التنمية المعاصرة بأنها لم تستطع الوفاء بحقوقنا، أو الوصول إلى ما ترتضيه أنفسُنا، مع أن أساس وجودها هو الإنسان نفسه؛ صانعُها ومحورُ عملها ومنطلقُها نحو تحقيق غاياتها العليا وأهدافها السامية. وهي، بأدواتها وفلسفة عملها، جاءت لصالحه، وتلبيةً لاحتياجاته، والوفاءَ بتوقعاته. غير أنّ التنمية لن يكون لها أي حضور في عالم الإنسان الطموح إذا ظلّت أياديه تنال منها، وتعبث بمقدّراتها، وتتطاول على قوانينها وأنظمتها، وتتجرأ على استنزاف مواردها، وتختلس من حيويتها.
ومن هنا كانت الحاجة إلى سدّ هذه الفجوة وإعادة تشكيلها بامتلاك الوعي الجمعي في إرادة التغيير، ومحاكمة النفس على التقصير، وتأنيب الضمير، وسموّ الفكر، وبناء استراتيجيات عقلية الوفرة والاستثمار في الفرص وتحويل المنغصات إلى قوة نجاح، وعندها فقط ستضيئ شمس التنمية، ويسمو قدرها، ويسطع بريقها، ويزداد جمالها، وتنمو قيمها، وتتأصل إنتاجيتها، وتتجذر هويتها، وتتفاعل أجندتها؛ لتسير بنا نحو الطريق الذي نحلم به، والغاية التي نرجوها، والطموح الذي نأمله، والثقة التي نطمئن إليها. وعنها أيضا لن تُضيّع التنمية حقوقنا، ولن تُسيء إلى أخلاقنا، ولن تمحو عطاءنا، ولن تستنزف مواردنا، بل ستكون لقوتنا سندًا، ولعطائنا سبيلًا، ولابتكارنا دليلًا، ولإنسان هذا الوطن معينًا. ستتعاطف معنا بقوة، وتأخذ بأيدينا إلى ما فيه سعادتنا وأمن وطننا.
لقد كان لزامًا علينا أن نقرأ التنمية في سمت العدالة والصدق، وأن نرسم أطرها في ظلال الأخلاق والقيم، والعلم والعمل، وأن نبني محاور اهتمامنا بها في حكايتها مع المستقبل، والحاضر، والأمل والجمال والذوق، وأن نضمن لمنجزها الاستدامة عبر الابتكار والاختراع والتنافسية. وحينها نتأمل في ممارساتنا، ولنوجه تساؤلاتنا إلى ضمائرنا، وسلوكنا اليومي وقناعاتنا وممارساتنا وأفكارنا وتصوراتنا لتتجلى بصماتها في مشهد حياتنا اليومية، وعندها نقدّر الاحتواء، وُنمعن النظر في قوة هذا الإبهار؟
هل نتوقع بأن التنمية وحدها – حتى وإن سلمنا جدلًا بمثالية أدواتها-، قادرة على صنع التغيير بدون إشراك جوهر التغيير وهو الإنسان مبادئه وقيمه وأخلاقه وإنسانيته، إن لم نُدخلها في قاموسنا اليومي، ونضبط أدواتها بضابط التقنين والشراكة والمسؤولية؟
لنتفق – قبل كل شيء- أن أدوات التنمية ليست العصى السحرية لمعالجة قضايا الإنسان أو لتلبية كل رغباته المتغيرة واحتياجاته المختلفة. غير أن ارتباطها بالقوة الخفية الكامنة في عمق الضمير الإنساني والاستنطاق الأصيل للأخلاق والقيم والاستنهاض للمهارة والدافعية سوف يعيد تصحيح المسار وضبط بوصلة التوجه، ويمنح الإنسان فرص البحث عن موجهات تضمن نقل هذا الثراء التنموي إلى مرحلة التأثير والاستثمار، وإبرازه في ثوب الإحساس بقيمته، ليُوجَّه من أجل وطنه، ويُستثمر لصالح إنسانيته، وفق قدراته واستعداداته، ومنظومة دوافعه ورغباته، وما يمتلكه من مهارات وجاهزية للمبادأة والمبادرة، وطموحه، ونمط تفكيره، وطريقة حواره، وأسلوب رده على من ينتقص من وطنه أو يقلل من منجزاته، منطلقًا من رصيده الفكري، وثقافة وطنه الأصيلة، وحكمة قيادته الرشيدة، معتمدًا على تعدد البدائل وتنوع موجهات الاختيار، وتعميق قيمة البحث، وتمكينه من إدارة الواقع، واستيعابه للعوامل والمتغيرات المؤثرة فيه.
وعندها نقرأ التنمية في رقي ممارساتنا، وصدق ضمائرنا، ووعينا بوطننا، وهويتنا الحضارية، بتقدير منجز النهضة المتجددة والاعتراف به والبناء عليه، والاهتمام بالأمن، وترسيخ قيمة النظام، وردع الإشاعة، والتوسع في الاستفادة من المنتوج الفكري في المنصات الاجتماعية، وثورة الأقلام المضادة المعززة لفكر التنمية النقدي والمؤصلة لمبادئ النزاهة والشفافية، وتركيز الجهود على الأولويات، وتوظيف الفرص، وتنشئة الأسرة، وبناء الموهبة، وتعميق وجدان الوطن في الابتكار والتطوير، وتحقيق مستهدفات رؤية عمان ٢٠٤٠.
وعودٌ على بدء، وفي ظل معطيات الأحداث الإقليمية وتداعياتها المقلقة، وقدوم الإجازة الصيفية بما فيها من تفاعلات وأحداث وما يرتبط بها من معطيات، تتعاظم الحاجة إلى تأصيل فقه الوعي الجمعي باعتباره مساحة أمان لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وحماية الهوية الوطنية والقيم، وتنمية المهارات، واستثمار الطاقات والأوقات في مسارات نافعة تعزز الانتماء والمسؤولية، وتحافظ على مقدرات الوطن ومكتسباته، وصناعة الإنسان الواعي القادر على فهم منجزات وطنه، والتفاعل الإيجابي مع قضاياه، والمشاركة في بناء مستقبله، ليصبح وعيه التزاما يمشي على الأرض .
أخيرًا، كيف يمكن أن نصنع جميعًا في مختلف مواقع العمل والمسؤولية، حضورًا نوعيًا يعبّر عن أخلاقنا والتزامنا نحو نهضة وطننا المتجددة، وتعظيم الاستفادة من فرص التنمية وشموليتها وتنوعها وانسانيتها، لبناء مسارات أوسع لنهضة الأجيال القادمة، ليصل إليهم منجز التنمية في عظمته وإيجابيته ورقيه وشموخه، نموذجًا عمليًا يؤصل في سلوك مجتمع عمان القادم معنى الاستدامة والإنسانية والمسؤولية والانتماء:” غرسوا فأكلنا… ونغرس فيأكلون”.




