(إنا نقدم قبل الجند قادتنا
نحو المنون سِباقًا نحو مولانا)
بقلم: رحيمة بنت علي بن خميس الرشيدية
عزام خليل الحية، شاب في مقتبل العمر، كانت لديه أحلام كثيرة ونبض مثلنا، يرسمها على ورق الحياة، ويكتبها عزيزةً غاليةً على قلبه، علّه يحققها يومًا ما، ولكن آلة الموت الشرسة أردته قتيلًا مُضرجًا بدمه على قارعة طريق المتخاذلين.
“عاش في الخنادق بدل الفنادق “.. هكذا عقبت والدته بعد استشهاده. عزام الذي كان عمادًا صلبًا وقوة ضاربةً لمحمد الضيف والأبطال من بني الإسلام الأوفياء، كان أبيًا كتومًا لا يخون عهد الكرامة، لا يساوم في مبادئه، عرفته المساجد والكتاتيب مذ كان طفلًا صغيرًا، يداوم على مجالسة الصالحين من أبناء غزة الأبية، تلطفت به الحياة يوم أن رافق تلك الثلة الطاهرة من كتائب عزّ الدين القسام، حيث الشجاعة تأخذ مجراها في حياة هذا الشاب الخلوق العظيم، وحيث الغاية أسمى من العيش ذليلًا بين ركام الأرض التي أذاقت شعبه صنوف الهوان، وحيث النفس ذات ثقلٍ لا تستطيعه الجبال في ثباتها ولا تحده حدود في كمالها.
رحل ابن خليل الحية كريمًا شهمًا مقاومًا، بعد حياة حافلة بالبطولات رُغم صغر سنه؛ فقد كانت قوته في أنه واحدًا من أهلها، وهو الذي كان بإمكانه أن يصبح من أصحاب الثراء والمال، فوالده رئيس المفاوضين في المكتب السياسي لحركة حماس، وسبيل الرفاهية تسوقه للمجد والدعة سوقًا، فقد كان بإمكانه أن يجلس على مكتبٍ وثير يأمر وينهى كيفما شاء، أو يعمل في مكانٍ يوازي عمل أصحاب المناصب والقيادة ..ولكن لا .. ليست هذه الفكرة التي تراوده منذ زمان .. فقد أبى إلا أن يكون شهيدًا ، شهيدًا خالدًا في الخالدين، مقدامًا في ميادين القتال والشرف، وبين “أنفاق” المنون، يخطط ويفكر وينفذ، في يده اليمنى مصحف وفي الأخرى بارود وبندقية، حين يضنيه التعب يخْلد للآيات يسكبها على قلبه لتزيده همةً ونشاطًا؛ هو رابع الأخوة الشهداء الذين ساروا في مواكب البطولة، وقافلتهم تأبى الوقوف، لا يُثنيهم تخاذل المتخاذلين، ولا تصهين المتصهينين، يسلكون طريقًا آخر غير الذي نعرفه، ترافقهم دعوات أم صابرة ثابتة محتسبة، وإقدام أب ما عرف إلا التضحيات في طريق القدس والأقصى الشريف، وهذه لعَمري قوتهم الحقيقية في مواجهة ظلم الغاصبين لأرضهم، فلا تقاس الهمم إلا بأهلها، وما عزام وإخوته إلا إحداها، فالنبض فلسطينيًا خالصًا، والدرب ما أحلاه عندما يكون مقدسيًا، وفي نظره في سبيل الأقصى كلنا شهداء، فالشعب العظيم هكذا ارادته دومًا، إنهم “غرس الياسين والسنوار ” كما قالت العظيمة والدته، إنهم القطاف العذب؛ فطاب الغرس طوفانا ونسرينًا وياسمينًا.
فكان الحية فارسًا طَودًا أشم. عرفته ( الشجاعية ) بأزقتها وحاراتها، ومخيماتها تتشوق له أبدًا، إنه ابنها البار وبطلها الهمام، صاحب الأخلاق النبيلة، والقلب الممتلئ حبًّا لها، ذلك الحب الصادق الذي أوصله لمقام الصبر والسكينة والثبات في مواجهة معركة الحق والباطل، وتمنى أن يموت شهيدًا من أجلها، فنال المراد أخيرًا، وذهب مُتخففًا من أثقال الدنيا، طائعًا لربه، لاحقًا بأخوته الميامين، كاتبًا على جبينه الطاهر قصة المجد والكفاح الحقيقي التي عاشها بين الأنفاق، لم يودع أمًّا ولا أبًا ولا أُختًا ولا رفاقًا، فجنان الخُلد اشتاقت لقائه، وذهب إليها تُسابقه روحه قبل أقدامه، وَلِهاً مُحبًا جَلِدًا، فقد تنسّمَ حُريته أخيرًا، وطاف حول صفحة الضياء قلبًا نقيًا أميناً، وكتب العزّ على غُرة جبينه، يخاصمنا أمام الله على التفريط في قضية أسرانا ومسرانا وحُقَّ له ذلك .
“وإنه لجهاد.. نصرٌ أو استشهاد..”




