د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي
ابتلاء الأنبياء والمرسلين(٢٢)
سيدنا عيسى عليه السلام(٢ )
وأرسل الله النبي عيسى
مكمّلا رسالةً لموسى
أكرمه بالأم تلك الطاهرة
أيده بالمعجزات الظاهرة
قال اتقوا الله اعبدوه يرضى
عنكم وأدّوا سنةً والفرضا
تكتسبون الأجر والثوابا
وتهتدون الخير والصوابا
فآمن البعض وقال البعض
هذا هو السحر لذاك الرفض
والمؤمنون طلبوا في السيرهْ
مائدة من السماء وفيرهْ
وقال عيسى اِتقوا الله ولا
تُشَكِّكوا فيما مضى بين الملا
قالوا نريد الأكل أيضا تطمئنْ
نفوسنا بذاك أيضا تستكِنْ
نفوسنا تزداد صدقاً نشهدنْ
معجزة جاءت من الله علنْ
وقال عيسى أنزِل الله لنا
مائدةً كبيرةً فيها الهنا
تكون عيداً خيرُها وفيرُ
يبتهج الصغير والكبيرُ
أجاب ربي الدعوة المباركةْ
وقال من يكفرْ خطاه هالكةْ
لما رأى اليهودُ دوماً تَشتهرْ
دعوة عيسى في البلاد تنتشرْ
كم خطّطوا لقتل عيسى ربي
يحفظه في بيته والدرب
واشتبهوا في واحدٍ من قومهم
فقتلوه صلبوه بينهم
والله قد أكرم عيسى ورفع
وقد وقاه الشر حيثما وقع
بلغ عيسى أشده فأرسله الله تعالى مبشرا ونذيرا في بني إسرائيل، فأوحى الله تعالى إليه بالرسالة، وأيده بالمعجزات، قال تعالى:{ وَقَفَّیۡنَا عَلَىٰۤ ءَاثَـٰرِهِم بِعِیسَى ٱبۡنِ مَرۡیَمَ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَاةِۖ وَءَاتَیۡنَـٰهُ ٱلۡإِنجِیلَ فِیهِ هُدࣰى وَنُورࣱ وَمُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَاةِ وَهُدࣰى وَمَوۡعِظَةࣰ لِّلۡمُتَّقِینَ }[سُورَةُ المَائـِدَةِ: ٤٦]،
وقال سبحانه مبينا رسالة نبيه عيسى ومعاتبا بني إسرائيل على تكذيبهم لرسالته ورسالة الأنبياء السابقين :{ وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَـٰبَ وَقَفَّیۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَیۡنَا عِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَیَّدۡنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَاۤءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰۤ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِیقࣰا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِیقࣰا تَقۡتُلُونَ }[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٨٧]، فكان هذا التكذيب والإعراض من بني إسرائيل ابتلاءا عاشه سيدنا عيسى عليه السلام فقابله بمزيد من الدعوة والتذكير لقومه، قال سبحانه على لسان عيسى مبينا رسالته لقومه موضعا ما أيده الله تعالى من المعجزات:( وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ أَنِّی قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔایَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّیۤ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّینِ كَهَیۡـَٔةِ ٱلطَّیۡرِ فَأَنفُخُ فِیهِ فَیَكُونُ طَیۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡیِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِی بُیُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَةࣰ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ (٤٩) وَمُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِی حُرِّمَ عَلَیۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔایَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُونِ (٥٠) إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّی وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَـٰذَا صِرَ ٰطࣱ مُّسۡتَقِیمࣱ (٥١) }[سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٤٩-٥١]، وفي ختام ذلك أكد على أن الربوبية لله تعالى، وعليهم جميعا تحقيق العبادة الخالصة له سبحانه.
كما ذكّر الله تعالى نبيه عيسى عليه السلام بنعمته عليه وما أعطاه من الكرامات تزكية له وتكريما، قال تعالى:({ إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَـٰعِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِی عَلَیۡكَ وَعَلَىٰ وَ ٰلِدَتِكَ إِذۡ أَیَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِی ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلࣰاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَاةَ وَٱلۡإِنجِیلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّینِ كَهَیۡـَٔةِ ٱلطَّیۡرِ بِإِذۡنِی فَتَنفُخُ فِیهَا فَتَكُونُ طَیۡرَۢا بِإِذۡنِیۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِیۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِیۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا سِحۡرࣱ مُّبِینࣱ }[سُورَةُ المَائـِدَةِ: ١١٠]
فيظهر من خلال هذه الآية الكريمة ابتلاء النبي عيسى عليه السلام حيث كذبه قومه واتهموه بالسحر، فصبر ونادى في بني إسرائيل بالنصرة منهم، فآمنت طائفة من بني إسرائيل، وسماهم الله تعالى الحواريين ، قال سبحانه:{ فَلَمَّاۤ أَحَسَّ عِیسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِیۤ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِیُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ }[سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٥٢]، وطلب الحواريون من من عيسى مائدة تكون بينهم من الله ، فذكرهم عيسى عليه السلام بضرورة استحضار تقوى الله تعالى، لأنه من أساسيات الإيمان بالله تعالى، فلعل هذا الطلب جاء بسبب ضعف في إيمانهم، ولهذا أجابوا بأنهم طلبوا المائدة حتى تطمئن قلوبهم لدعوته، ويتعمق تصديقهم لرسالته حينما يرون المعجزة واقعة بين أيديهم، فسأل عيسى عليه السلام الله تعالى ذلك، فبين سبحانه لعيسى أن من يكفر بالله تعالى من قومه بعد رؤية هذه المعجزة فإن له عذابا شديدا، فأكرمهم الله تعالى بما طلبوا من المائدة كما يقول كثير من المفسرين، فيظهر من خلال هذا الموقف معاناة سيدنا عيسى عليه السلام من قومه وصبره عليهم، قال تعالى:{ إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِیُّونَ یَـٰعِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ هَلۡ یَسۡتَطِیعُ رَبُّكَ أَن یُنَزِّلَ عَلَیۡنَا مَاۤئدَةࣰ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ (١١٢) قَالُوا۟ نُرِیدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَیۡهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِینَ (١١٣) قَالَ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَاۤ أَنزِلۡ عَلَیۡنَا مَاۤئدَةࣰ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ تَكُونُ لَنَا عِیدࣰا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَایَةࣰ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلرَّ ٰزِقِینَ (١١٤) قَالَ ٱللَّهُ إِنِّی مُنَزِّلُهَا عَلَیۡكُمۡۖ فَمَن یَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّیۤ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابࣰا لَّاۤ أُعَذِّبُهُۥۤ أَحَدࣰا مِّنَ ٱلۡعَـٰلَمِینَ (١١٥) [سُورَةُ المَائـِدَةِ: ١١٢-١١٥].
وحينما انتشرت دعوة سيدنا عيسى عليه السلام خاف اليهود من هذا الانتشار الواسع فقرروا قتله، وخططوا لذلك، فحفظه الله تعالى ورفعه إليه، ورأوا شبيها بعيسى فقتلوه معتقدين أنهم قتلوا عيسى، وصلبوه ،قال سبحانه:( فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّیثَـٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِیَاۤءَ بِغَیۡرِ حَقࣲّ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَیۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا یُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِیلࣰا (١٥٥) وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡیَمَ بُهۡتَـٰنًا عَظِیمࣰا (١٥٦) وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِیحَ عِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِینَ ٱخۡتَلَفُوا۟ فِیهِ لَفِی شَكࣲّ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ یَقِینَۢا (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَیۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِیزًا حَكِیمࣰا(١٥٨) }[سُورَةُ النِّسَاءِ: ١٥٥-١٥٨]، وقال تعالى: { إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَـٰعِیسَىٰۤ إِنِّی مُتَوَفِّیكَ وَرَافِعُكَ إِلَیَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِینَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَیۡنَكُمۡ فِیمَا كُنتُمۡ فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ }[سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٥٥].
تلكم قصة سيدنا عيسى عليه السلام باختصار، وتلك بعض الابتلاءات التي عايشتها أمه السيدة مريم الطاهرة وابنها النبي المبارك عيسى عليه الصلاة والسلام، والله أسأل أن يعيننا على طاعته واتباع هدي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر لنا ولجميع المسلمين ، اللهم تقبل صلاتنا وصيامنا وصالحات أعمالنا، وتجاوز عن سيئاتنا، واغفر لنا ولجميع المسلمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين، والطف اللهم بأهل غزة وفلسطين خاصة وبالمؤمنين عامة، وارحمنا برحمتك الواسعة. آمين يا رب العالمين.





