أين رحلت “بركة” الأوليين

بقلم: سامي البلوشي – السكب

في زمن أجدادنا، كانت القهوة تُشرب بـ “نوايا” طيبة قبل أن تُصب في الفناجين، أما اليوم، نحن نشرب القهوة لـ “نصورها”، لا لنستمتع بطعمها أو بصحبة من يجلس معنا، وهذا التحول الصغير في العادات ليس مجرد “موضة”، بل هو زلزال يضرب عمق الهوية العمانية التي تميزت تاريخياً بالجوهر على حساب المظهر.
​لقد أصبح العُماني اليوم مثقلاً بـ “برواز” اجتماعي خانق، نحن نلهث خلف المنازل الضخمة التي لا يسكنها إلا “الشغالات”، والسيارات الفارهة التي تُدفع أقساطها من راحة بالنا، والأعراس الأسطورية التي تنتهي بـ “ديون” تبدأ مع أول يوم في حياة الزوجين. لقد تحولنا من مجتمع “التعاون” (التويرة والضواحي) إلى مجتمع “المنافسة” الشرسة على من يملك الأغلى والأحدث.
​المدهش والمحزن في آنٍ واحد، أن منصات التواصل الاجتماعي في واقعنا المحلي بدأت تُصدّر لنا “مشاهير” بلا محتوى، يتصدرون المشهد ويقودون ذائقة الجيل الناشئ. أصبح الشاب يطمح للثراء السريع عبر “سناب شات” بدلاً من الكفاح في ميادين الهندسة أو الأدب أو الحرفة. نحن نصنع جيلاً يقدس “السهولة” في وطن بني أصلاً على “الصلابة” والعمل الشاق بين الجبال والبحار.
​ادخل اليوم إلى أي مجلس عماني، ستجد الأجساد حاضرة والعقول مهاجرة خلف الشاشات، لقد غابت الحكاية، وغاب “الرزحة” المعنوية التي كانت تجمع القلوب، أصبحنا نعرف أخبار جيراننا من “حالات الواتساب” أكثر مما نعرفها من طرق أبوابهم. هل هذه هي الحداثة التي كنا نحلم بها؟ أم أنها غربة اختيارية غلفتنا ببريق زائف؟ ​التميز الحقيقي اليوم في عُمان ليس في محاكاة الآخرين، بل في العودة إلى تلك "الرصانة" العمانية القديمة. التميز هو أن تملك الشجاعة لتعيش بساطتك في زمن البهرجة، وأن تبني عائلة تقرأ الكتاب قبل أن تلمس الشاشة، وأن تؤمن أن "الهيبة" تُكتسب بالمواقف والصدق، لا بنوع السيارة أو عدد المتابعين.

إن عمان لا تحتاج إلى نسخ مكررة من “العالم الافتراضي”، بل تحتاج إلى أرواح حقيقية تشبه طين بلادنا وصلابة جبالنا. لنعد إلى “البركة” التي كانت تجعل القليل كثيراً، ولنتوقف عن عبادة المظاهر قبل أن تصبح بيوتنا مجرد “متاحف” باردة لا روح فيها.