صمتًا..


بقلم: رحيمة بنت علي الرشيدية

ونحن نعيش في بقعة الضجيج، وعلى الصفيح الساخن، وبين مدلهمات الخطوب التي تشتعل في عالمنا المعاصر ، ووسط كومة الظلام التي تُغلف الكون بوقتنا الحاضر ، هناك .. وليس بعيداً عن مسرح الأحداث، ينبثق نوراً يزداد يومًا بعد يوم، يُكوّر شروق الأيام فيبتسم الانسان، ويُعطي أملاً جديدًا بأن القادم أجمل، وأن الظلام مهما اشتدت حلكته يعقبه الضياء، وأن القافلة تسير مهما عوت كلابها .. وأن الصمت في زمن الخذلان هو انتصار بحد ذاته .. إنه الصمت الذي نحبه، والذي نحترمه، الصمت الذي يُعلي المقام، ويرقى لفضاءات السماء، صمت يُحوّل القضية إلى ورقةٍ رابحةٍ في كل الأحوال، الصمت الذي احترمه الأعداء والأصدقاء على حد سواء، فكل من فيها يؤدي أدواره الريادية حسب مجاله ودوره في الحياة دون جعجعة أو طحين، فأن تكون عمان الوجهة الأولى وقطعة النقد الوحيدة الصالحة للاستخدام، ووحدها الصراط المستقيم بعد بعثرة الأوراق وتشتت المسارات وانقسام الرؤى وكثرة الأصوات والمزايدات، فهذا يقودنا لحقيقة أن لزوم الصمت يصنع المعجزات، ويفي بالعهود مهما اشتدت الأزمات وتوالت في سعيها الكربات، فعمان بهدوئها .. بجمالها حيث جبال الحجر وسمحان تمنع عنها رياح الفتن، وتُدخلها في سهول ضيقة لتضيف للسعة آفاقها الرحبة، لتجد البحر ساكناً لا يُحركه سوى مركبٍ للصيد تناله يدا بحارٍ مغامر، أو تعبث به يد طفلٍ يلهو على شاطئه وقت الحاجة، عمان التي صمتت لا لضعفٍ فيها ولا هوان، وإنما نأت عن الفتن، وعن الشقاق، وتكبرت عن كل ما يشين، فساندت الحق وتبعت الحقيقة، فجاءتها الدول تمشي على استحياء، تطلب ودّها، وتبحث فيها عن الحكمة، وتستغيث للبقاء ..

نعم .. إنها عمان حين تتكلم يصمت الجميع، احترامًا لهذا العقل العماني الفذّ الفريد، إنه الكلام الذي يرفعنا، ويُرسي قواعد الأمل في النفوس المتعبة، وبين أروقة الحياة، بل حتى في الملفات المعلقة وبدواخل الغايات.

نعم .. استباح العالم الشرور .. وأريقت على قارعة الطريق قضايانا، وأصبحت الحكومات تنهش بعضها بعضًا، والشعوب تعيش مأساة إنسانية لا يمكن تجاوزها، ولكن أن تجد الحل عمانياً فهنا تعرف أن المياه لا كما ظننت، بل إنها تتحرك بروية، وتغدو الأمواج طوفانًا يغذي الدنيا ويذهب لأبعد مدى .. وندرك حينها أن الصمت حكمة والعقل حكمة وعمان لا غير تعيد التوازن وتبني الجسور، وتنتشي بالنصر والنور، وإن بين الجبال وفي أزقة الحواري ثورة كُبرى ومنطق لا يزول .

عمان صمتت الصمت الذي تستحقه، حيث يتكسر غرور القوى الكبرى عند حدود هيبتها، حيث المنطق يكون عمانيًا، والرياح عمانية، والكلام حتمًا عمانيًا .
فعمان صافحت القوة في ظل الظروف الصعبة الراهنة، وألبست الأرض عباءة السلم والأمان، فقد علم الجميع بأن هناك الكثير من الفرص لخلق سلام حقيقي خلف بوابة مسقط العامرة، والقليل .. القليل من الكلام .

هو ليس صمتًا عاديًا .. بل هدوء نفس وصبر، ورؤية ثاقبة يتبعها عمل، بعيدًا عن ضوضاء الحروب، وتوالي الأحداث، فالمرآة تكشف الحقائق ولا سبيل لإضاعة الوقت في ما لا فائدة منه ولا انتهاء .

فصمتٌ تبعثه عمان حكومةً وشعبًا للجميع، تنحت من الصخرة الصماء بلاغةً تنتهجها، وتفتح ذراعيها لكل سلام، سلامٌ ينشده سفراء الأخلاق والقيم، الصغير والكبير، فوطني كبير بمبادئه، كبير بأهله، كبير بالمسار الذي اتخذه عاصمةً له وقرار، إنه ذلك المسار الذي أدركه الجميع أخيرًا، وعضّوا عليه أصابع الندم بعد فوات الأوان .

فطوبى للصامتين .. ودمتم سالمين