التسويف… حين نؤجل أنفسنا

بقلم : سليمان بن حمد العامري

لم يعد التسويف مجرد عادة عابرة، أو تأخير بسيط لمهمة يمكن إنجازها لاحقًا، بل أصبح سلوكًا يوميًا يتسلل إلى تفاصيل حياتنا؛ في الدراسة، والعمل، والبيت، والعلاقات، وحتى في القرارات التي يعرف الإنسان في داخله أنه تأخر كثيرًا في اتخاذها.
والغريب في التسويف أنه لا يأتي غالبًا بصورة صريحة؛ فهو لا يعلن عن نفسه بوصفه هروبًا، ولا يظهر للإنسان على أنه تقصير واضح، بل يتخفى خلف عبارات مألوفة تبدو مقنعة في ظاهرها: ليس هذا هو الوقت المناسب، سأبدأ غدًا، أحتاج إلى استعداد أكثر، سأفعل حين أكون في مزاج أفضل، وهكذا يجد الإنسان نفسه قد أجل مهمة تلو أخرى، حتى يصبح التأجيل عادة لا تحتاج إلى تفكير.
وقد يظن البعض أن التسويف كسل محض، غير أن هذا التفسير لا يكفي لفهمه، فليس كل مسوّف كسولًا، وليس كل من يؤجل مهامه فاقدًا للطموح أو المسؤولية، هناك من يؤجل لأنه يخاف البداية، أو يخشى الفشل، أو يتهيب النتيجة، أو يرى المهمة أكبر من قدرته عليها، ومن هنا يتحول التسويف أحيانًا إلى طريقة غير مباشرة للهروب من المواجهة؛ لا من المهمة وحدها، بل من اختبار الذات أمامها.
فالمهمة المؤجلة تبقى في الخيال سهلة وممكنة، أما حين يبدأ الإنسان في تنفيذها، فإنها تضعه أمام مسؤوليته ونتائج أفعاله، لذلك قد يختار بعض الناس التأجيل لا لأنهم لا يريدون الإنجاز، بل لأنهم يخافون مما سيكشفه الإنجاز أو الفشل عنهم.
ولا يقتصر التسويف على الكبار وحدهم؛ بل نراه عند الطفل والمراهق، في عالمٍ كان ينبغي أن يكون أكثر التصاقًا بالمرح والحركة والنشاط الحيوي، غير أن التأجيل قد يتسلل إلى هذه المرحلة المبكرة أيضًا؛ فيؤجل الطفل واجبه المدرسي، ويترك المراهق مذاكرته إلى آخر لحظة، حتى تبدأ عادة التسويف بالتشكل في عمرٍ كان الأولى به أن يتربى على المبادرة لا على التأجيل.
ومن هنا أقول إن التسويف داءٌ قاتل للحياة؛ لأنه لا ينهي العمر دفعة واحدة، بل يفرغه من معناه شيئًا فشيئًا، إنه يقتل النشاط، ويضعف الإرادة، ويترك الإنسان واقفًا أمام أبوابٍ كان يستطيع عبورها لو امتلك شجاعة البدء.

فالطفل حين يعتاد التأجيل دون توجيه، قد يكبر وهو يظن أن الوقت مساحة مفتوحة لا تنفد. والمراهق حين يهرب من واجباته إلى الهاتف أو الألعاب أو المتعة السريعة، لا يدرك غالبًا أنه لا يؤجل مهمة عابرة فقط، بل يدرب نفسه على الهروب من الالتزام، ومع مرور الوقت، يصبح التسويف أسلوبًا في التعامل مع الحياة: يؤجل الدراسة، ثم القرار، ثم الإصلاح، ثم أحلامه نفسها.

والتسويف لا يسرق الوقت وحده، بل يسرق الطمأنينة أيضًا. فالمهام المؤجلة لا تختفي من الذاكرة، بل تبقى في الخلفية، تضغط على النفس، وتمنحها شعورًا خفيًا بالذنب، يعيش الإنسان يومه، لكنه يحمل داخله قائمة معلقة من الواجبات والقرارات والفرص. وكلما طال التأجيل، صار التفكير في المهمة أشد إرهاقًا من القيام بها.

ولعل أخطر ما في التسويف أنه يمنح صاحبه راحة مؤقتة، لكنها راحة خادعة، فعندما يؤجل الإنسان مهمة ما، يشعر للحظة أنه تخلص من الضغط، لكنه في الحقيقة لم يتخلص منه، بل نقله إلى المستقبل. وكل ضغط نرحله اليوم يعود إلينا غدًا بثمن أكبر؛ لأن الزمن لا يلغي المسؤوليات، وإنما يزيد كلفة تأخيرها.
ومن المؤلم أن التسويف قد يحرم الإنسان من أشياء كان قادرًا على بلوغها لو بدأ في وقتها، كم من مشروع مات لأنه تأجل؟ وكم من موهبة ذبلت لأنها انتظرت اللحظة المثالية؟ وكم من علاقة ضعفت لأن كلمة صادقة تأخرت؟ وكم من قرار كان سيغير حياة صاحبه لو لم يبقَ معلقًا في منطقة التردد؟
الحقيقة أن اللحظة المثالية نادرة، وربما لا تأتي أبدًا. ومن ينتظر اكتمال الظروف قبل أن يبدأ، قد يبقى واقفًا عند عتبة البدايات طويلًا، الحياة لا تمنحنا دائمًا وقتًا صافيًا، ولا مزاجًا كاملًا، ولا طريقًا بلا عقبات، لذلك فإن الإنجاز لا يصنعه من ينتظر الظروف المناسبة، بل من يبدأ رغم نقص الظروف.

ولست أطرح التسويف هنا بوصفه قضية طبية أو علمية، بل بوصفه حالة إنسانية نراها في أنفسنا ومن حولنا، ومن خلال التأمل والملاحظة، أجد أن مقاومته لا تبدأ من الخارج، بل من الداخل؛ من يقظة الذهن، ومن الوازع الإيماني والروحي الذي يذكّر الإنسان بأن العمر أمانة، وأن الوقت مسؤولية، وأن المهام المؤجلة ليست أشياء ساكنة، بل حقوق معلقة في رقبة صاحبها.
فليس علاج التسويف في أن يقسو الإنسان على نفسه، ولا أن يحمّلها فوق طاقتها، بل في أن يفهم كيف يخدع ذاته حين يؤجل، وأول خطوة في مقاومته أن نكسر هيبة البداية: أن نكتب سطرًا، أن نفتح الملف، أن نجري اتصالًا، أن ننجز خمس دقائق فقط، فالبداية الصغيرة لا تبدو عظيمة في ظاهرها، لكنها تكسر الحاجز النفسي بين النية والفعل.
كما أن النشاط الذهني يعين الإنسان على رؤية المهمة بحجمها الحقيقي، لا بحجم الخوف منها، ويمنحه القدرة على ترتيب أولوياته، وتقسيم مسؤولياته، والبدء بما يستطيع. أما الوازع الإيماني والروحي، فيوقظ في داخله معنى المحاسبة، ويخرجه من وهم التأجيل المفتوح إلى حقيقة أن العمر يمضي، وأن الفرص لا تنتظر المترددين.

إن التسويف ليس مشكلة في تنظيم الوقت فحسب، بل هو خلل خفي في علاقة الإنسان بمهامه ومسؤولياته وما يريده من نفسه، فالوقت موجود، لكنه يتسرب حين يغيب الحسم. والرغبة موجودة، لكنها تضعف حين لا تتحول إلى خطوة. والطموح موجود، لكنه لا قيمة له إن ظل فكرة مؤجلة في الذهن.

وفي النهاية، لا يخسر الإنسان حياته دفعة واحدة، بل يخسرها بتأجيلات صغيرة يظنها عابرة، حتى إذا التفت خلفه، أدرك أن ما ضاع لم يكن وقتًا فقط، بل فرصًا وأحلامًا ونسخًا أجمل من ذاته، كانت تنتظر منه خطوة أولى فلم يخطُها.