لغة الشعر والضرورة الشعرية (1)

بقلم: الدكتور محمد إسماعيل
الأستاذ المساعد بجامعة صحار – سلطنة عمان

إن ثنائية العلاقة بين الشعر واللغة حميمة وقديمة؛ فلقد صاحب الشعرُ اللغةَ منذ كانت طفلة تبني وجودها يوما بعد يوم، وحمل في طياته سمات طفولتها، وظل محتفظا بهذه السمات حتى بعد أن تعقدت اللغة، وفقدت الكثير من نعومة الطفولة وتصوراتها اللذيذة … ولا يغفل دور الشعر الجدلي في تطوير اللغة والمحافظة عليها على مر العصور وفي جميع الأم.
إن علاقة التأثير والتأثر بين اللغة والشعر تتجلى بوضوح من خلال هذا الدور الجدلي؛ إذ إن الشعر هو المنبع الرئيس لصيانة اللغة وتجديدها؛ فالشعراء الغابرون يمدوننا بتراث في التقاليد الرائعة التي مازالت تعيش منحدرة في الماضي، والشعراء المحدثون يدفعون اللغة إلى الأمام؛ إذ ما من جيل يمكن أن يحس بنفس الطريقة التي يحس بها من سبقوه.
ويمكننا القول: إن تأريخ الشعر في صورة من صوره، إنما هو تأريخ متعاقب لأدوار من تطور ألفاظ الشعر ونضجها وفنائها. ولا يزال الشعر مِعولا يُخرج مفردات اللغة وتراكيبها من أرماس المعاجم إلى واقع الاستعمال اللغوي.
والقول بـ( لغة الشعر) لا يعني أن الشاعر يستخدم لغة غير اللغة التي تكتب بها؛ فلا زالت اللغة الأم هي منبع لغة الشعر، ولكن بعد ما يسمى بإعادة الخلق أو التشكيل لهذه اللغة؛ فيمكن أن نستعير صورة صهر المعادن في المسبك ونحن نتحدث عن لغة الشعر، ونقول: إن الشاعر يتناول الألفاظ ثم يهشمها ويقطعها ويزوِّرها ويحرقها، ثم يخلق منها شيئا جديدا، أو إنه يملك القدرة على أن يعيد صهر العملة القديمة ويصدر في نفس الوقت عملة جديدة.
وقد تباينت نظرة القدماء للغة الشعر؛ فمنهم من اتجه وجهة نحوية وأفرد لها بابا كاملا – كسيبويه – سماه (باب ما يحتمل الشعر) ، وقد أطلق عليه فيما بعد مصطلح “الضرورة الشعرية”. ويعد هذا الباب إشارة واضحة حاول سيبويه عن طريقها التفرقة بين الشعر وباقي الأجناس الأدبية من حيث التزام القواعد النحوية بمفهومها العام، مبينًا أن للشعر لغة خاصة أعلى من اللغة النثرية وأرحب، يقول: اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف، يشبهونه بما ينصرف من الأسماء؛ لأنها أسماء كما أنها أسماء، وحذف مالا يحذف، ويشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفا، … ، واختتم كلامه بمبدأ عام ينم عن إكباره لفحول الشعراء وتقديره لهم، وينزههم عن الخطأ والعشوائية هو: وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يريدون به وجها. ولنا وقفة عند هذه العبارة في مقالة لاحقة- إن شاء الله.
وإذا انتقلنا إلى المحدثين لمسنا بوضوح محاولتهم كسرَ جمود البلاغيين السابقين الذين أوقفوا تفكيرهم على ما توصل إليه عبد القاهر وأتباعُه الأفذاذ، ولم يأتوا بجديد في فلسفة اللغة الشعرية، واقتصرت جهودهم على الشروح والتلخيصات، فأعادوا النظر في لغة الشعر، مثل الدكتور طه حسين الذي يرى أن تطور اللغة شيء حتمي؛ لأن نفسية الأمة وحاجتها وظروفها تؤثر تأثيرا كبيرا في تكوين اللغة. ونَبَذَ اصطناع لغة بعيدة عن واقعنا قائلا: لسنا نعيش عيشة الجاهليين؛ فمن الحمق أن نصطنع لغة الجاهليين، ولسنا نعيش عيشة الأمويين ولا العباسيين ولا المماليك، لسنا نعيش عيشة المصريين في القرن الماضي؛ فمن الإسراف أن نستعير لغات هذه الأجيال وأساليبها لنصف بها أشياء لم يعرفوها وضروبا من الحس والشعور لم يحسوها ولم يشعروا بها.
ولم يتوقف الحديث عن لغة الشعر وبيان مكنوناتها عند النقاد المعاصرين؛ حيث طرق بابها كذلك النحاة المعاصرون كما فعل أسلافهم القدماء من قبل، فئة منهم، يمكن وصفهم بالنحاة النقاد، منهم الدكتور أحمد كشك الذي يوضح أهمية اللغة الإيقاعية والمعنوية في البناء الشعري؛ حيث يقول: وتعد اللغة في بنيان الشعر قيمة إيقاعية ومعنوية تمنح الشاعر فيضا من العطاء ويمنحها الشاعر من طاقاته الإبداعية وحسه الصادق مذاقا خاصا، وهذا ما جعلها – في كثير من الأحيان – طوع يديه، تخضع لسياقه، وإن خالفت نواميسها التي وضعت لها. والأصل أن تكون طاقة الشاعر الإبداعية وإلهامه الصافي مع نظام اللغة والسياق الإيقاعي صنوين متآلفين لا يخرج أحدهما عن ناموس الآخر.
ومنهم كذلك الدكتور محمد حماسة الذي يؤمن بإدراك الشاعر سلفا مخالفتَه قوانينَ اللغة؛ إذ يقول: فإن علينا أن نعرف بدءا أن الشاعر عندما يبدأ في كتابة قصيدة يكون على وعي تام بأنه يفارق نظام اللغة العادية، وهو يحاول أن يحمل قراءه على أن يشعروا معه بهذه المفارقة. إنه يهدم النظام المألوف؛ ليشكل نظاما جديدا مبتكرا؛ فهو يهدم ليبني، ويكسر ليجمع من جديد ما كسره، ويعيد تركيبه بطريقة خاصة. ونحن عندما نستقبل الشعر ونتلقاه نكون مهيئين – بحاسة التذوق- لعملية الهدم والبناء الجديدة هذه؛ بل إن متلقي الشعر لا يقبلون من الشاعر أن يقول لهم ما يعرفونه بطريقة يعرفونها، إنهم يتوقعون منه أن يقول لهم ما يعرفونه بطريقة لا يعرفونها. وهذه هي المعادلة التي يتفاضل عندها الشعراء، ويختلف بعضهم عن الآخر في تحقيقها. إن متلقي الشعر يسلمون للشاعر بحرية التصرف في التقاليد اللغوية الموروثة المتفق عليها في لغة الكلام في مقابل أن يحقق لهم تلك المعادلة.
إذا أنعمنا النظر في كلام الدكتور محمد حماسة السالف فلن نجد غضاضة في القول: إن الضرورة الشعرية – بما تتضمنه من خرق لقواعد اللغة وخروج عليها- تعد مظهرا من مظاهر لغة الشعر وأحد مقوماتها الإبداعية.
وفي المقالة القادمة – إن شاء الله- سيكون لنا وقفة عند نص سيبويه السابق: (وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يريدون به وجها).